
ثمة في الإنسان إحساسان متضادّان: ففيه خصيصة الرغبة في العصيان من جهة، وينتابه إحساسُ كونِه متعلّق بصاحب سلطةٍ ما وأنّ عليه طاعتَه من جهة ثانية. ومن الميسور مشاهدة ذلك في حياة الإنسان بشكل تجريبي أيضاً؛ على سبيل المثال، البعض، ممَّن يشبه فرعون في سلطانه وتجبُّره، تراه أحياناً يفتّش عن فرصة ليقول لأحدٍ ما: " سمعاً وطاعة"!
إنّ جذور عصيان الإنسان لله تعالى ماثِلة في كيانه، وإنّ رغبته في طاعته عزّ وجلّ نابعة هي الأخرى من فطرته، حتى ليُمكن أن يقال لهذا الإنسان: "تعصي مَن أنت، وتطيع مَن أنت؟"
الإنسان لا هو "عاصٍ" بشكل مطلق، ولا هو "مطيع" بشكل مطلق؛ وهذا يعتمد على أنه في ماذا نشّطَ إحساسَيه هذين، ولأيّ داعٍ استخدمهما. حتى لَيُمكن القول: إن لم يكن المرء طائعاً لله فيتعيّن أن نسأله: "فمَن تطيع إذاً؟" وإن لم يقبل المرء بولاية الله المطلقة فيتحتّم سؤاله: "ولايةُ مَن قَبِلتَ، وغلامُ مَن أنت إذاً؟" فإن قال: "لستُ غلامَ أحد" فكلامه هُراء لا يُعتنَى به.
فمن المتعذّر أن يقال: "إن الإنسان، أساساً، مخلوق مستقل!" فهو، أصلاً، لم يُخلق مستقلاً، والاستقلال بالنسبة إليه محال؛ أوَيُمكن أن يستقلّ الإنسانُ عن الله تعالى؟! فكما أنه، جسدياً ومادّياً، فقيرٌ في كل لحظة من لحظاته إلى اهتمام الله عز وجل فإنه، روحيّاً ونفسيّاً، فقيرٌ دوماً إلى اهتمام الله وإرادته.
حالة التعلّق والانصياع التي تشاهَد عند الطفل تظل في الإنسان حتى يطعن في السن. بل قد نرى بعض المسنّين قد جعلوا أنفسَهم متعلّقين بأطفالهم.
هذا التعلّق بسلطةٍ ما في الإنسان لا بد أن يكون بالسلطة المتمثلة بالله تعالى، لا بسواه. فلو شاهد الإنسان قدرة الله وتنبّه إليها لاشتدّتْ فيه حالة التعلّق والانصياع هذه! ولهذا نرى كم يُبرِز الله تعالى نفسَه في القرآن الكريم مقتدراً! وكم يُبيّن أنّه على كلّ شيء قدير، وأنّ غيرَه عاجز ولا أثر له في العالم!
لاحظوا كم يحاول الله في القرآن الكريم أن يسلب الإنسانَ استقلالَه ويقول له: "أيّها الإنسان، إنّك حقّاً غير مستقل! ومهما سخّرتَ لنفسك الأدوات والأسباب، تبقى الأمور في يدي! بل إنك إن نظّمتَ شؤونك مرّةً وأنجزتَ عملاً ما بإتقان، ففي الحقيقة إنه أنا الذي أتَحتُ لك ذلك، ورتّبتُ لك الأمور. فلا تظنَّنّ أنك أنت مَن رتّبَ جميع الأمور بدقة فخرجَ بالنتائج!"
سئل أمير المؤمنين (ع) مرّةً عن مصدر ما يملكه من معرفة عالية بالله سبحانه وتعالى فقال، فیما روي عنه: «عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِم» (نهج البلاغة/ الحكمة250)؛ أي: عرفتُ اللهَ عن طريق تبديد الخُطَط التي أضعُها! فقد أعزِمُ على الأمر وأهيّئ له المقدّمات وإذا بخطّتي تنهار، ومن هنا عرفتُ أنّ الأمر في يد أحد آخر! والله يصنع هذا بعباده دائماً كي ينظروا إليه باستمرار!
تلاحظون كيف يهوَى البعضُ أن يكون غلاماً ومريداً لغيره. وقد يَجمَع مستبدٌّ من ذوي العربدة حولَه عدداً من الصبيان يكونون دائماً في خدمته، وهم لا يستحون ولا يشعرون بالانكسار أبداً من كونهم في خدمته. فلقد استيقظ في داخلهم حس التبعية لسلطةٍ ما وشعور الطاعة لهذا الشخص المستبد، وهم يستمتعون بهذا.
من أجل أن نتقبّلَ أوامر الله تعالى، ويصبحَ موضوع الذنب ذا أهمية لنا، ونحذرَ دائمًا معصية الله عز وجل فإنه يتوجب علينا اجتياز مراحل تربوية، وهي مراحل في وسع الإنسان إدراكها وتطبيقها في وجوده حتى من دون دين.
لو استطاع امرؤٌ، بادئ ذي بدء، أن يبني لنفسه "شخصية مناسبة" ويتمتعَ بحياة سليمة فسيكون في وسعه أيضًا امتلاك الأُهبة للتدين. فمَن يكون مُمَنهِجًا لحياته، مُدَقّقًا في شؤونه، مراقبًا لنفسه سيكون - عمومًا - على استعداد لتقبل الدين؛ ذلك أن مركز التكاليف الدينية هو "التقوى"، وما التقوى إلا الدقة والمراقبة. والآن لا بد من الاهتمام بهذه الدقة والمراقبة في سلوك الإنسان، وفي نيته على حد سواء.
الذي يتمتّع بشخصية مناسبة وعيشٍ سليم لا يعود تصديقُه بالله أمرًا شاقًّا؛ أي إنه سيصدّق بالله بكل سهولة. غير أن القصة لا تنتهي بالتصديق بالله تعالى، بل بعد أن يصدّق الإنسان بالله سيكون عليه أن يعبدَه!
إن لنا نحن معاشر البشر خصيصة تدعى "العبادة، والتبعية، والعبودية" وإن علينا إيقاظها في داخلنا. فإن لم تستيقظ بمشاهدة الذين يطيعون لله تعالى، فإن باستطاعتنا إيقاظها في أنفسنا بمشاهدة الذين يمتثلون أوامر غير الله والذين هم عبيدٌ لما سوى الله! كأن نسألهم: "لماذا أنتم عبيدٌ لغير الله؟ لقد كنتم أحرارًا وكان بإمكانكم أن لا تكونوا عبيدًا لأحد، فلماذا أصبحتم عبيدًا؟!"
نظرة القرآن الكريم للإنسان هي أنه يقول له: "لا تعبد غير الله!" لكن السؤال هو: مَن الذي يريد أن يعبُد أصلًا؟ والجواب: "إنما خلق اللهُ الإنسانَ عبدًا وليس باستطاعته أن لا يكون عبدًا! فإن لم يصبح عبدًا لله، فمن الطبيعي إذن أن يصبح عبدًا لغيره! وهذا بالذات هو التعليم الديني الجوهري الذي لا يُعلَّم للناس بشكل جيد!
العيب الكبير الذي في مناهجنا لتعليم الدين هو أنها تسعى لإثبات وجود الله عز وجل لنا ثم تقول: "والآن كن عبدًا لله!" ولهذا يتمرّد البعضُ قائلًا: "كلا! أنا لا أريد أن أكون عبدَ أحد، أريد أن أكون حُرًّا!" والحال أنه كان يجب أن يقال لأمثال هؤلاء: "إن لم تكن عبدًا لله فستكون عبدًا لسواه لا محالة!"
من يكون عبدًا لله تعالى حقًّا لا يعترض على الله، أما الذي ليس عبدًا لله فتراه يعترض على الله بكل سهولة! بالطبع لربما تكون الاعتراضات التي يسوقها على الله معقولة في الظاهر أحيانًا! كأن يقول: "إلهي، لماذا خلقتَ هذا الطفل مشلولًا؟ أين عدلُك إذن؟! في حين أن الله حين خلقه مشلولًا فإنه لا يتوقّع منه أكثر ما يتوقّعه من إنسان مشلول، أو إنه حين خلقه مشلولًا فلا بد أن يكون أعطاه نعمات بديلة! لكن المعترض على الله لا يرى هذه الأمور.
وكذا حين يقع بعضهم في ورطة أو مشكلة فتراه يعترض على الله ويحسبُه السبب في كل مشاكله! والحال أن هذا الشخص هو مَن خلَقَ لنفسه هذه المشاكل في الأساس! وهذه مؤشّرات من لم يتقبّل العبودية لله جَلّ وعلا.
ضلالات الكوجيتو (1)
محمود حيدر
الإسلام: المدرسة الجامعة الشاملة
الشهيد مرتضى مطهري
العصيان والطاعة
الشيخ علي رضا بناهيان
معنى (كفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
الشرق الأوسط، مركز ظهور الأنبياء في العالم
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
دراسة تكشف أسبابًا غير تقليدية للنوبات القلبية التي تصيب الشابّات بشكل خاص
عدنان الحاجي
سعة جامعة الإمام الصادق (عليه السلام)
الشيخ جعفر السبحاني
في معنى الصدق
السيد محمد حسين الطبطبائي
طريق الجهاد (5)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الموت ثقافة حياة لا تنقطع
الشيخ شفيق جرادي
أثر لم يحدث بعد
محمد أبو عبدالله
السيّدة المعصومة: جمانة عقد الإمامة
حسين حسن آل جامع
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
ضلالات الكوجيتو (1)
جراحون يبقون رجلاً على قيد الحياة لمدة 48 ساعة بدون رئتين!!
الإسلام: المدرسة الجامعة الشاملة
العصيان والطاعة
معنى (كفت) في القرآن الكريم
معنى (كفت) في القرآن الكريم
الشرق الأوسط، مركز ظهور الأنبياء في العالم
الشرق الأوسط، مركز ظهور الأنبياء في العالم
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (19)
أثر لم يحدث بعد