علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (5)

التوصيف الهيغلي للدولة الإسلامية

 

حتى عندما يتحدث هيغل عن الدولة والمجتمع في تاريخ الإسلام نراه ينحو منحنىً إنكارياً ليقرر أن الدولة المنحدرة من الإسلام حسب هيغل هي بالضرورة دولةٌ لا عقلانيّة، لكن بالتوازي ومقارنة مع الدول الاستبدادية، فلتك المتعلقة بالإسلامي أكثر استبداداً، وذلك يعني برأيه النفي العام للحريّة.

 

في المقابل، الدولة الإسلاميّة لا تستطيع أن تكون مستقرّةً ولا متحجّرةً مقارنةً بالدولة الصينيّة «التي هي أمبراطورية الديمومة «L’empire de la dureée». وأما تلك الخاصة بالإسلام فتسمى عند هيغل بإمبراطوريّة الانقلاب السرمدي، من دون أن يُحدث هذا الانقلاب تغيّراً كيفما كان في طبيعة المبدأ الذي على إثره تأسست الدولة الإسلامية.

 

أما بالنسبة للإرادة الفرديّة والحريّة الذاتيّة في الدولة المنحدرة من الإسلام، فليس هناك، حسب هيغل، إرادةٌ عقلانيّةٌ ولا حريّةٌ حسيّةٌ وواعيةٌ، هناك فقط «إرادةٌ متوحشةٌ» تنتج ضرورةً من الطبيعة نفسها التي يحتويها الوعي الإسلامي بين الذاتية المحسوسة من جهةٍ، والكلية المجردة من جهةٍ أخرى، طالما أنّها انفصلت من موضوعها الكلي[1].

 

لكن على الرغم من سعة توثيقه وتنوعه، فالشيء الوحيد والأكيد في كل البحث الهيغلي حول طبيعة الدولة الإسلاميّة، هو تأثره المباشر بروح الشرائع (L’Esprit des Lois) وهذا ما يتأكد بالفعل. هناك فولتير(Voltaire) وفولني (Volney) وجيبون (Gibbon) ولكن هناك دائماً مونتسكيو (Montesquieu) الحاضر بقوة.

 

ما نؤكده في ما يخص الدولة الإسلامية هو أنّ مفهوم هيغل هو مطابقٌ لمفهوم مونتسكيو. والحال أنه، حتى معلومات مونتسكيو في هذا الموضوع هي أيضًا توثيقيّةٌ محضةٌ، وهذا ما يعقّد المهمة أكثر، للعلم، إنّنا نقدر درجة أصالة الإسهام الفلسفي لهيغل في هذا المضمار[2].

 

مهما يكن من أمر، أمكن القول أن متاخمة هيغل للشرق بعامةٍ وللإسلام بصفةٍ خاصةٍ، كانت على الإجمال منحكمةً إلى رؤيةٍ مبتورةٍ سواءً في وجهها الأنطولوجي المتأثر ببيئة البروتستانية أو في وجهها التاريخي المشحون بالولاء الشديد للعرق الجرماني.

 

من هذا المحل بالذات ستسهم الهيغلية في توطيد الأساس المعرفي والثقافي لفلسفة الإنكار التي توغّلت عميقاً في قلب العالم الغربي. وسيكون لنا من حصائد المنجز الهيغلي ما يبيِّن مدى هيمنته واستبداده بفكر الحداثة في الحقلين الأنطولوجي والتاريخي، الأمر الذي أفضى إلى تحويل الغرب الحديث إلى حضارةٍ إمبرياليةٍ شديدة الوطأة على العالم كله.

 

فلقد عُدَّتِ الحضارةُ الغربية في المخطط الأساسي للتاريخ وفي الإيديولوجيّات الحديثة، وحتى في معظم فلسفاتِ التاريخ بوصفها الحضارة الأخيرة والمطلقة، أي تلك التي يجب أن تعمّ العالم كلّه، وأنْ يدخلَ فيها البشر جميعاً. في فلسفة القرن التاسع عشر يوجد من الشواهد ما يعرب عن الكثير من الشك بحقّانيّة الحداثة ومشروعيّتها الحضاريّة. لكنّ هذه الشواهد ظلّت غير مرئيّةٍ بسبب من حجبها أو احتجبها في أقل تقديرٍ، ولذلك فهي لم تترك أثراً في عجلة التاريخ الأوروبي.

 

فلقد بدا من صريح الصورة أنّ التساؤلات النقديّة التي أُنجزت في النصف الأول من القرن العشرين، وعلى الرغم من أنّها شكّكت في مطلقيّة الحضارة الغربيّة وديمومتها، إلا أنّها خلت على الإجمال من أيّ إشارةٍ إلى الحضارات الأخرى المنافسة للحضارة الغربيّة. حتى إنّ توينبي وشبنغلر حين أعلنا عن اقتراب أجلِ التاريخ الغربيّ وموته، لم يتكلّما عن حضارةٍ أو حضاراتٍ في مواجهة الحضارة الغربيّة، ولم يكن بإمكانهما بحث موضوع الموجود الحضاري الآخر. ففي نظرهما لا وجود إلا لحضارةٍ واحدةٍ حيّةٍ ناشطةٍ هي حضارة الغرب، وأما الحضارات الأخرى فهي ميتةٌ وخامدةٌ وساكنةٌ[3]...

 

حين توصل جان بول سارتر إلى قوله المشهور «الآخر هو الجحيم»، لم يكن قوله هذا مجرد حكمٍ يصدِرهُ على آخر أراد أن يسلبه حريته أو علَّةَ وجوده، وإنّما استَظْهَرَ ما هو مخبوءٌ في أعماق الذات الغربية. إذ لا موضع حسب سارتر للحديث عن محبّةٍ أو مشاركةٍ أو تآزرٍ بين الذوات، لأنّ حضور الذات أمام الغير، هو بمثابة سقوطٍ أصليٍّ، ولأنّ الخطيئة الأولى حسب ظنّه ليست سوى ظهورٍ في عالمٍ وُجِدَ فيه الآخرون..»[4].

 

لم يكن سارتر في هذا التوصيف الملحمي للآخر سوى ضرب من الاحتجاج على حداثة آلت إلى تمجيد الذات الغربية واختزال الذوات الأخرى والنظر إليها كجحيم لا ينبغي الاقتراب منه إلا على نحو السوء. وهو يعلم كما سواه من نقّاد التمدد الإمبريالي.

 

إن هيغل ومن سبقه من فلاسفة التصنيف العرقي للشعوب، هم الذين أطلقوا مسارات العقل الإنكاري لكلِّ آخرَ.

 

وبعد.. فلو كان من نعتٍ لهيغل وهو يفلسف تعالي روح الغرب على الشرق، لصحّ نعته بـ "فيلسوف الإمبريالية" في صعودها الأول وفي امتداداتها المعاصرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - Ibid, p. 173.

[2]- عفيف فراج، مصدر سبقت الإشارة إليه، ص50.

[3] - مسعود كمالي – مصدر سبقت الإشارة إليه.

[4] - محمود حيدر – الغيرية البتراء – مصدر سبقت الإشارة إليه.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد