علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (3)

الطابع الإنكاري للاهوت الهيغلي

 

لا يتوقف هيغل عند هذا الحد، فسيمضي ليبني على هذا التصور موقفاً لاهوتياً صارماً[1] عندما يرى إلى الإسلام باعتباره النفي الدقيق للديانة المسيحية في ما يتعلق بتصور وحدة الله والإنسان. في المقابل إذا كانت المسيحيّة هي ديانة المصالحة، للوحدة في حقيقتها وفي حريتها المحسوسة، وإذا كانت تبحث عن تحقيق الوحدة بين الذاتي والموضوعي عند كلّ البشر، فإنّ الإسلام على العكس هو دينٌ يفرض الانفصال بين الموضوعي والذاتي والذي يبحث عن «إثارة المحبة للكائن الواحد الأحد عند البشر»[2]. بمعانٍ أخرى، الوعي الإسلامي، بالنسبة لهيغل هو ذروة النفي والفصل.حسب زعمه، إنّه يمقت وينفي كل ما هو محسوس»[3]. وإنّه الوعي الأكثر سلباً للحرية، إنّه «الاتجاه المعاكس».[4]

 

لا يخرج التقرير الهيغلي عن السياق الإجمالي للاهوت المسيحي في إصداره أحكامه السلبية على الإسلام. ومثل هذا الحكم سيعطي انطباعاً أكيداً على «مركَّبٍ عجيبٍ» يستحكم بعقل فيلسوفٍ كبيرٍ كهيغل في ما هو يعاين الشرق كجغرافيا والإسلام كدين، بوصفهما عدوًّا لمسيحيّة الغرب وهويّته الحضاريّة. فلو كان ثمة من تفسيرٍ لهذه «الورطة الأيديولوجية» لفيلسوف «الروح الكلي». لظهر لنا ذلك على بيانات عددٍ من نقاده الجدد، ومنهم ما ذكره الفيلسوف واللاهوتي الفرنسي إتيان غلسون (1884- 1979) من أنّ المنهج الهيغلي المثير في تناسقه المعماري الظاهر، يعاني في جوهره من تناقضٍ عميقٍ بين وحدانيّة العقل الإنساني ـ الذي تفترض فيه الهيغليّة الشموليّة والكونيّة ـ وبين القراءة العنصريّة والتراتبيّة لتجليات هذا العقل في شتى الحضارات[5].

 

يتعدى مصطلحا شرق – غرب في فلسفة هيغل مدلولهما الجغرافي المحض. فالمصطلحان يكتظَّان بجواهرَ عنصريّةٍ – ثقافيةٍ متناقضةٍ، ويجعل من ثنائيّة شرق–غرب رديفاً عصريّاً للثنائيات الكلاسيكيّة القديمة: يوناني–بربري، روماني–بربري، وهي ثنائياتٌ تتنوع بأسماء مختلفةٍ على مبدأ فلسفيٍّ تأسيسيٍّ يقوم على ثنائية السيد بالقوة والفعل، والعبد التابع في الجوهر والواقع، ووفقاً لهذه الفرضيّة سيقرّر هيغل أنّ الحضارات الشرقيّة هي عالم الغربة بالنسبة للعقل. فالشرق متاهة الروح الذاهب من المجرد والمطلق إلى الطبيعي والمحسوس، ومثل هذا الارتحال الدرامي للشرق يشهد على اختلاط الروح المجرّد بالطبيعي والمحسوس. «فالمحسوس كما يذهب هيغل هو مبدأ العقل الشرقي الكامن والمميّز»[6].

 

في موضع من مقارباته للشرق يمضي هيغل إلى تقديم توصيفٍ تأمليٍّ للشرق، هو أقرب إلى الشاعرية منه إلى التفلسف. إنّ الشرق هو موطن الشرقي المنخطف أبدا بالشروق الطبيعي، بالشمس الخارجيّة ونورها الخارجي الذي يعميه عن شمسٍ داخليةٍ تشعّ بالبريق الأنبل: «شمس الوعي» والغرب هو مستقر الشمس الخارجيّة الآيبة من الوجود إلى الماهيّة، من الخارج إلى الداخل بعد نهار التاريخ القائظ الطويل. وفي الغربي المستبطن لنوره الذاتي تجد الروح مستقرها ومأواها الأخير. يضيف: إنّ الشمس الطبيعيّة تغيب وتتلاشى في الذات الغربيّة التي تعي أنّ الله هو نور الوعي المشع في داخلها وليس من الخارج. ولأنّ حركة التاريخ الهيغلي لولبيّةٌ وليست دائريّةً، فإنّ شمس العقل لا تعود لتشرق من الشرق في دورةٍ جديدةٍ. فأسطورة العنقاء التي تبعث من رمادها هي أسطورة شرقيّةٌ تتصل برؤيةٍ دائريّةٍ لتاريخ يعيد نفسه، وهذه الأسطورة يرفضها العقل الغربي المؤمن بتقدّمٍ صاعدٍ متواصل وثابتٍ على اتجاهٍ واحد[7].

 

سوف يُرى إلى هيغل، تبعاً لهذا التصور على أنّه أحد أوائل مؤسسي مفهوم «الاستبداد الشرقي»، وقد استخدم هذا المفهوم ليجسّم «عالماً متحداً في ظلّ سلطانٍ واحدٍ». لقد انتهى هيغل إلى موضوعته الشهيرة القائلة بأنّ الروح «لم يتوصل في الشرق إلاّ إلى معرفة أنّ الواحد فقط هو الحرّ، أما اليونان وروما فقد أدركتا أنّ البعض هو حرٌّ، في حين أدرك العالم الجرماني أنّ الجميع هم أحرار[8].

 

وإذا شئنا تتبع رحلة ذهاب العقل بحسب النسق الذي يضعه له هيغل في فلسفة التاريخ نستطيع أن نلخِّص تمظهر هذا الروح كالتالي:

 

يبدأ الروح تمظهره على مسرح الزمان والمكان في الصين. يتمظهر في ديانة كونفوشيوس السالبة للذاتيّة ويعبر مسرعاً إلى الهند البوذيّة والهندوكيّة حيث تعيش الذاتيّة حالة الانتفاء، فيعبر إلى بلاد فارس وهناك يكتشف الروحُ النورَ مبدأ ماهيته، والنور ليس النور الطبيعي وإنّما النور الروحي ممثلاً بمبدأ الخير، وهكذا يبدأ الروح انفكاكه عن كثافة الطبيعي والمحسوس، «وتتعرف إلى وحدتها في هذا النور الجامع الذي يتشارك الجميع في جوره بما يضمن لكلّ فردٍ كرامته الشخصيّة»[9].

 

لكن هيغل ينتقد الفرس لأنّهم لم يشملوا شعوب إمبراطوريتهم بمبدأ النور الذي يساوي بين شتى الأعراق، وإن كان يعفي إمبراطوريّة الرومان الكبرى وقبلها إمبراطورية بركليس الأثينية الأصغر من نقدٍ مماثلٍ. ومن هنا يقرر هيغل أن الروح أقسى غربته في بلاد ما بين النهرين في ظلّ الإمبراطورية الآشورية–البابلية، كما في سوريا الداخلية والساحلية حيث يتجلى اغتراب الروح عن ذاته في تعدّد الآلهة وعبادة الأصنام والتضحية بالبشر من أجل إرضائها. فقط في أرض فلسطين، وفي الديانة اليهوديّة، تدرك الروح نورها الداخلي، ويصبح النور ليس شيئاً آخر سوى الإنسان الطاهر الذي يرى إلى نفسه بعين نفسه.

 

من بعد هذا كله يتوصل هيغل إلى نتيجة مؤداها أن الشرق لم يعرف مبدأ الذاتيّة المستقلة، فالأخلاق الهنديّة والصينيّة تنفي الذات، تأمرها بالتنازل والتضحية إلى حدّ التلاشي والامّحاء، تغيّبها ولا تؤكّدها. ورغم تجلي الروح الإنساني يسمو ديانات الهند والصين وفنونها وفي رفعة الأخلاقيات الغيريّة التي أبدعتها الأمتان، إلاّ أنّ الأمّتين «افتقدتا وبالكامل الوعي الضروري لفكرة الحرية[10]. فالأخلاق بالنسبة للصيني والهندي هي «قوانينُ خارجيّةٌ لا تختلف عن القوانين الطبيعيّة». إنّ أخلاق الأمّتين هي «أخلاقٌ أمريةٌ» تصدر من الخارج السياسي دون وساطة الضمير الشخصي.. أي إنّها أخلاقٌ تستمد مسوّغها من القسر والقوّة لا من التمثل والقناعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - Hegel, Leçons sur la philosophie de la religion, 3éme partie, p. 209.

[2]- Ibid, p. 210.

[3] -Ibid, p. 210.

[4]- Hegel, Leçons sur la philosophie de L’histoire, trad. Gibelin, 275.

[5] - عفيف فرَّاج – هيغل والاسلام – غربة الروح الحرة بين الشرق و»ثورته الاسلامية» - مجلة «الفكر العربي المعاصر»، العدد 33/ك1 1984، ك2 1985، ص 40-47.

[6] - Ibid,p. 111

[7] - Op. cit, p. 358.

[8] - Ibid, p. 104.

[9] - Ibid, p. 175.

[10] - Ibid, p.71- 111.

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد