
النصر أو الإبادة كعقيدة أميركية عليا
عندما كتب ريتشارد بيرل، الذي لقّبه المعجبون بأفكاره، بـ «أمير الظلام»، «ليس من حل وسط لأميركا، إما النصر وإما الإبادة»، لم يكن كلامه هذا، من قبيل الغلواء الساذجة. كان يعني في العمق حقيقة الممارسة التي ينبغي على الولايات المتحدة ألاّ تحيد عنها، وهي تؤسس للقرن الحادي والعشرين.
كان بيرل يرمي إلى ما سبق للفيلسوفة الألمانية حنّة أرندت (Hannah Arendt)، أن رمت إليه، وهي تلاحظ مسارات حرب فييتنام: «يجب أن نعمل ليس على غزو العالم، بل على التفوق في معركة تستهدف عقول الناس»… وكانت تقول «إن هذا الشيء هو أمر جديد في هذا الكمّ الهائل من الجنون البشري الذي سجله التاريخ»…
المعلقون على كلمات ريتشارد بيرل الأثيرة، ذهبوا في الاستدلال إلى «بؤرة المعنى»، فوجدوا أن المحافظين الجدد، باقتناعهم أن على الولايات المتحدة إزالة محور الشر أو الزوال، وبتغذيتهم خطاب السيطرة المطلقة باسم وضعية الضحية، إنما يضعون أنفسهم عن قصد في السياق الصوفي، بينما هم يُتهمون غالباً باللاأخلاقية.
مثل هذه الإشارة، تنطوي على أهمية خاصة، لجهة تشكّل العمارة الأيديولوجية المركبة للاّهوت السياسي الأميركي، وللاهوت المحافظين الجدد بصفة مخصوصة. فالغلوّ السياسي الذي يطفو على سطح الزمن الأميركي الجديد، ويكسو لغة «حكماء البيت الأبيض»، يترجم تلك العمارة الأيديولوجية في ذروة مراتبها.
قد يكون من السخف إرجاع خطاب الحرب الشاملة ضد «الإرهاب» و«الدول المارقة»، إلى «سذاجة» مزعومة، أو إلى «وحشية» أميركية. فالحقيقة أن فعل مثل هذه السياسة لا يعاني من قلّة التمحّص بقدر ما يعاني الغلو الأيديولوجي. فالأيديولوجيا، على ما هو معروف، هي في بعض المجالات قناع للمصالح. وهي التي تحدد أيضاً، ما يعتبره كل واحد، أنها مصالحه. ثم إنها تقود أحياناً إلى توسّع في الوسائل بالنسبة إلى الغائيّات، وبالتالي إلى مقاومة مثلث الإرهاب والاستبداد والتكنولوجيا المنتشرة لأسلحة الدمار الشامل. وبهذا المعنى فإن في الأيديولوجيا التي تمثّل أهواء ومصالح الجماعة البشرية، جانباً احتفالياً – كما يبيّن آلان بيزونسون (Besanson)، المتخصص في الشؤون الشيوعية: فهي (أي الأيديولوجية) على ما يقول – تدّعي إقامة حقيقة أكثر واقعية من الحقيقة، وذلك بقوة الخطاب وحده. وهذي هي بالضبط، حقيقة المحافظين الجدد. وسيبدو هذا الملمح بعضاً يسيراً من جنون «الجيل الرابع» الذي ينطلق بلا هوادة في مسار يشبه الحرب المفتوحة على الأبدية[1].
إلى ذلك، يلخّص الاستراتيجيون الغربيون التفكير الاستراتيجي، لجيل الحرب العالمية الرابعة (G.W.O.T) بمجموعة من المبادئ، سبق وأكد على وجوبية تطبيقها عدد من لاهوتيي المحافظين الجدد. وهذه المبادئ هي:
أولاً: العدو فريد ومطلق وإنه هؤلاء: الإرهابيون، السلفيون، الشيعة، الاستبداديون، البعثيون، الأنظمة الإسلامية، الديكتاتوريات ما بعد الشيوعية، وهي كلها متساوية – بنظر المحافظين الجدد – لأنها تؤلّف الخطر نفسه.
ثانياً: لا فرق بين النية العدائية والقدرة العدائية. بين التنفيذ والنيّة، بين الجريمة والسلاح. فالحرب دائمة. من هنا، ضرورة الوقوف على كل الصعد ضد أي خطر متوقع، سواء جاء من عدو معلن، أم من منافس محتمل.
ثالثاً: الكرة الأرضية هي ساحة المعركة. لم يعد هناك منطقة محميّة (أرض الولايات المتحدة لم تعد مقدّسة). فالخطر، خصوصاً الإرهابي، قد يأتي من كل مكان من دون أن تُكبح عوامله باعتبارات السيادة أو توازن القوى. على العكس، يجب القيام – بحسب هؤلاء – بالهجوم على أرض الخطر في العالم العربي والإسلامي، وزعزعة الأنظمة السيئة.
رابعاً: السلاح، يجب احتكاره. وإذن يجب القيام بالحرب للقضاء على الأسلحة. من هنا، أهمية مسألة أسلحة الدمار الشامل.
خامساً: الخطر يناقض متطلبات الأمن المطلق. من هنا، الضرورة المزدوجة للمراقبة الشاملة والقدرة على الرد ضد كل المخاطر. وهذا يقود إلى هوام العلم بكل شيء، كما يقوم على الشعور بامتلاك قوة كلية القدرة والجبروت..[2]
ببساطة شديدة، تبدو عقيدة «الجيل الرابع»، عقيدة مركبة. فهي تخلط – كما رأينا – بين العناصر (المبادئ) الخمسة (العدو، نية العدو، الأرض، السلاح، والخطر)، ضمن مفهوم واحد. وبصورة أوضح، فإن هذا المفهوم يرمي إلى إزالة كل الأخطار المحتملة دائماً وفي كل مكان. وبما أن توازن القوى لا يزال بصورة واسعة لمصلحة أميركا، والعدو لا يمكن ردعه بالخوف من العقاب، كما كانت حال الاتحاد السوفياتي، فإن المعركة ليس لها في الواقع سوى هدفين: الزمن والصورة.
الزمن: لأنه يجب العمل بسرعة قبل فوات الأوان.
والصورة: لأن المحافظين الجدد مقتنعون بأن 11 أيلول/سبتمبر، هو ثمن الخطأ الماضي في عدم القدرة على ترويع العدو[3].
جنون «الجيل الرابع» سيتجاوز ومن خَلَفَه من أجيال الحاكمين بامتلاك الكلمات وبممارسة تلك الكلمات. فقد جعل الجيل المذكور للزمن الجديد لاهوته الخاص. اللّاهوت الذي يقوم على تقديس ما وضعه المؤسسون الأوائل، من رؤية رسالية لولادة أميركا، وكذلك على تقديس كل سلوك وممارسة تفضي إلى الغاية، ولو كلّف ذلك سقوط ملايين الضحايا.
في أثناء الحرب الباردة، لم يكن توازن الرعب نظرية جرى وضعها لتحقيق الاستقرار والسلم الدوليين، بل كان في حقيقته أمراً واقعاً. وبنتيجة هذا الواقع، رأينا كيف تم حفظ السلام بين القوى الكبرى. وهكذا فإن «نظرية الكتل» التي أفرزتها حركة الاستقطاب في مرحلة توازن الرعب لم تكن هي الأخرى، مجرد نظرية، وإنما كانت مظهراً يعكس التحولات في توازن النزاع الدولي [4].
مع نهاية الحرب الباردة، وسقوط التوازن لمصلحة الأحادية، سوف ينفتح فضاء العالم ليخرج التفكير الامبراطوري الأميركي من «هدوئه القسري» إلى جنونه الظاهر. وعلى هذا النحو لم تكن رحلة تقسيم العالم وفق معادلة الخير والشر سوى ترجمة لبلوغ اللّاهوت السياسي الأميركي الدرجة القصوى من اللاعقلانية. صحيح أن هذه المعادلة هي حصيلة تحولات واقعية لمسار التطور العالمي، إلا أنها «المعادلة» الأقل ثباتاً في التاريخ، ذلك لأنها تشق سبيلها بواسطة القوة المحضة. وتبعاً لسياق كهذا، فمن غير المقدّر أن يفلح العالم المكتظ بعوامل الصدام، في العثور على منطقة الاعتدال والتسوية والتوازن.
الحداثة الأميركية ولاهوت الحرب
لعل أكثر ما يحمل اللّاهوت الحربي الأميركي على الغبطة، إذ يجد من مأثورات الحداثة، ما يبرِّر له أفعاله، ويضفي عليها صفة المشروعية. وقبل نهاية الألفية الثانية سيأتي من النخب الأميركية من يستعير من موروث الحرب العالمية الثانية، ليؤدي قسطاً من هذه المهمة. وكان لهم في العبارات الشهيرة التي ردّدها الوزير الأول البريطاني ونستون تشرشل في العام 1944 مرجعية وحجة: «إن الحقائق الاستراتيجية تحتاج في كثير من الأحيان، لأن تكون محميّة من جانب «حرس من الأكاذيب».
هذه المأثورة، التي ستتحول في الثقافة السياسية الأميركية إلى ما يشبه الأطروحة، ليست بعيدة من فلسفة التبرير الذي هو سمة راسخة في التاريخ الأميركي. وهو ما سيُظهر لنا، بما لا يقبل الغموض، الطريق الذي تمتزج فيه الأكاذيب السياسية بالحقائق الاستراتيجية.
ففي خلال الأعوام التي تلت حرب الحلفاء على العراق وسقوط بغداد عام 2003، شاعت عبارة «حرس من الأكاذيب»، للتدليل على دور الأجهزة الاستخباراتية والإعلامية، في إقناع الرأي العام، بدوافع الحرب، وتبرير نتائجها رغم موجات الاستنـزاف والخسائر التي يتعرض لها جيش الاحتلال، سياسياً وعسكرياً ومعنوياً.
يومذاك امتلأت الفضاءات الإعلامية بما لا حصر له من الوثائق، والصور، والمعلومات حول وجود أسلحة الدمار الشامل، وحول علاقة نظام صدام حسين المنهار بتنظيم القاعدة، وبأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، لكن سيأتي بعد أسابيع قليلة من داخل مراكز القرار في الولايات المتحدة، من يرى إلى كل ذلك على أنه محض «أكاذيب». وسيمضي المفكر والباحث الفرنسي أوليفييه روا (Olivier Roy) ليلخّص قناعات واسعة في الرأي العام الغربي، بالقول: «إن أهداف الحرب التي أعلنت عنها واشنطن لا يظهر فيها أي تماسك منطقي. أما أفضل الحجج الفكرية الدافعة للحرب فهي كانت على العموم التكتم والنكران»…[5]
سعت إدارة المحافظين الجدد إلى توسيع دوائر التضليل تحت شعار «الاتحاد من أجل السلام». ومؤدّى هذا الشعار الذي يطوي في ثناياه آليات مبتكرة من الديماغوجية السياسية المحكمة، هو إعادة إنتاج قناعات لدى الجمهور الأميركي، تبرِّر الانتقادات الجادة من قبيل «بوش يكذب»، أو «هناك أميركيون يموتون». صحيح أن هذه القضية بمجملها أثارت مسألة أخرى متصلة بسابقتها، إلا أنها قد تكون أكثر إقلاقاً أيضاً، وهي الجذور الفلسفية للأيديولوجيا التي تقف على رأس «الثورة المضادة البوشية»[6]. يجمع مؤرخو الممارسة الساسية الأميركية، على وجود شغف لافت لدى قادة الولايات المتحدة، قوامه، صناعة الأكاذيب، وتشكيل حرس من المفكرين والإعلاميين، ومراكز الأبحاث لتسويغها وتسويقها.
لقد غدت الولايات المتحدة في قلب عولمة متطلبات التبرير – كما يلاحظ آريال كولونوموس – فالدولة الأميركية هي وريثة تاريخ طويل في المجال «الأخلاقي». وطبقاً لتاريخها «الطهراني» الذي أضَفَتْهُ عليها البروتستانتية الزهدية، حرصت على الاضطلاع بدور «منارة الإنسانية» على حد التعبير الذي استخدمه جون فوستر دالاس في الستينيات. وفي مرحلة متأخرة ستلعب عناصر جديدة في المجتمع المدني دوراً رئيسياً في صعود قوي لتلك النظرة المثالية المتجددة. ولئن كانت النـزعة التبريرية سمة مميزة للاستثناء الأميركي، فهي ظاهرة دولية عامة، بل هي مطلب دولي تفترضه شروط الهيمنة الجيو – استراتيجية.
في أثناء الحرب الباردة، كانت مصلحة أعضاء الكتلة الواحدة، تكمن في التغاضي عن أخطاء حلفائها للحفاظ على مصالحها المشتركة، ومنع الكتلة الثانية من استغلال خلافاتها. أما الآن، فإن الظهور البيِّن للمجتمع المدني أرغم الدول والمؤسسات على تقديم حسابات حيال أشكال الرقابة الجديدة هذه، وأصبحت معارضة المجتمع المدني ذات صفة عالمية وميزة للتعددية الليبرالية. فلقد وُضعت بواسطة هذه الرقابة، دول كثيرة في قفص الاتهام بسبب من موقفها تجاه العديد من الجماعات المتضررة، أو التي كانت ضحية لسلوكياتها.
أما بالنسبة إلى أميركا على وجه الخصوص، فقد اتخذت أيديولوجية التبرير لديها مناحٍ استثنائية، وذلك طبقاً للمنسوب العالي جداً من أيديولوجية الهيمنة. كثيرون من مؤرخي سياستها الخارجية حلّلوا «المسارات الأخلاقية» لهذه الدولة، فأدرجوها ضمن استمرارية هيمنتها.
من هؤلاء، المؤرخ تومي سميث الذي ذهب في طرحه إلى حد اعتبار أن «الويلسونية»، وهي تصور أخلاقي لسياسة تتطلع إلى جعل العالم ديمقراطياً، تشكل الخيط الأحمر في تاريخ أميركا للقرن العشرين. وبحسب سميث، أن الرئيس رونالد ريغان، رغم كونه من المحافظين، في حين كان ويلسون ديمقراطياً، من أنصار القوة والسياسة المتشددة، تجاه الاتحاد السوفياتي، كان خير مثال على حداثة هذا الموروث.
ختاماً، لم تكن المراحل التي تلت حقبة المحافظين الجدد سوى استئناف متعدد الوجوه لحقيقة فلسفة الحرب ولاهوتها السياسي. فمنذ نهاية الولايتين الرئاسيتين لجورج بوش الإبن والأب مروراً بولاية بيل كلينتون، كان ثمة تأكيد على رسوخ هذه الأطروحة. تلك التي تضاعفت حدتها على نطاق عالمي مع الولايات الرئاسية اللاحقة، وخصوصاً مع حقبة دونالد ترامب، حيث ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الدولة الأميركية العميقة هي التي تستحكم بصياغة لاهوت القوة والسيطرة، وهي التي تستعيد ميتافيزيقا الاستعلاء وتصوغها على نحوٍ جديد للهيمنة التامة على البشرية المعاصرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – Patrick Bacanan, The American Conservative, March 24, 2003.
[2]– انظر باتريك بوكانان (أيضاً)، برنامج المحافظين الجدد، “المستقبل” الجمعة، 11 نيسان/ أبريل 2003.
[3] – بوكانان، المصدر نفسه.
[4] – بوكانان، المصدر نفسه.
[5] – هويغيه، المصدر نفسه.
[6] – جون ميسون، الأكاذيب الورعة للمحافظين الجدد، “مدارات غربية”، العدد الثاني مصدر سبق ذكره
علّة اختيار موسى (ع) لهارون (ع) وزيرًا
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (هيت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ماذا يحدث في الدماغ في حالة الفراغ الذهني وانقطاع سيل الأفكار؟
عدنان الحاجي
التأسيس الَّلاهوتي لفلسفة الحرب (4)
محمود حيدر
أربع قواعد ألماسية في علاج المشاكل الزوجية
الشيخ مرتضى الباشا
نفسك أمانة (2)
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الرياء وموقف العرفان من النية والعمل
الشيخ شفيق جرادي
كن سببًا لنجاح ابنك وتألّقه
عبدالعزيز آل زايد
أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ
الفيض الكاشاني
من آثار فتنة الجمل
الشيخ محمد جواد مغنية
الإمام الصادق: مستودع أسرار العلوم
حسين حسن آل جامع
أفق من الأنوار
زكي السالم
تجلّـيت جلّ الذي جمّـلك
الشيخ علي الجشي
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
أيقونة في ذرى العرش
فريد عبد الله النمر
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
خارطةُ الحَنين
ناجي حرابة
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
أمسية للأديبة مريم الحسن بعنوان: (الحكاية الشّعبيّة في القصّة الأحسائيّة)
علّة اختيار موسى (ع) لهارون (ع) وزيرًا
معنى (هيت) في القرآن الكريم
ماذا يحدث في الدماغ في حالة الفراغ الذهني وانقطاع سيل الأفكار؟
أحمد آل سعيد يتناول مشكلة الخوف عند الأطفال
التأسيس الَّلاهوتي لفلسفة الحرب (4)
أربع قواعد ألماسية في علاج المشاكل الزوجية
نفسك أمانة (2)
الرياء وموقف العرفان من النية والعمل
نفسك أمانة (1)