قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
السيد محمد باقر الصدر
عن الكاتب :
ولد في مدينة الكاظمية المقدسة في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 1353 هـ، تعلم القراءة والكتابة وتلقى جانباً من الدراسة في مدارس منتدى النشر الابتدائية، في مدينة الكاظمية المقدسة وهو صغير السن وكان موضع إعجاب الأساتذة والطلاب لشدة ذكائه ونبوغه المبكر، ولهذا درس أكثر كتب السطوح العالية دون أستاذ.rnبدأ بدراسة المنطق وهو في سن الحادية عشرة من عمره، وفي نفس الفترة كتب رسالة في المنطق، وكانت له بعض الإشكالات على الكتب المنطقية. بداية الثانية عشرة من عمره بدأ بدراسة كتاب معالم الأصول عند أخيه السيد إسماعيل الصدر، سنة 1365 هـ هاجر إلى النجف الاشرف، لإكمال دراسته، وتتلمذ عند آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي. أنهى دراسته الفقهية عام 1379 هـ والأصولية عام 1378 هـ عند آية الله السيد الخوئي.rnمن مؤلفاته: فدك في التاريخ، دروس في علم الأصول، نشأة التشيع والشيعة، فلسفتنا، اقتصادنا وغير ذلك.

الحرّيّة في القرآن الكريم


السيّد محمد باقر الصدر ..

مفهوم الحرّيّة من تلك المفاهيم التي تلتقي عندها مشاعر الناس جميعاً، وهذه الصِّلة العاطفيّة التي تربط الإنسان بالحرّيّة ليست ظاهرة حديثة في تاريخ الإنسانيّة، ولا من نتائج الكيانات الحضاريّة التي يعيشها الإنسان الرأسماليّ والاشتراكيّ اليوم.
تُعبّر هذه الصلة العاطفيّة التي تربط الإنسان بالحرّيّة عن عاطفة أصيلة في النفس البشريّة، تشعّ من كلّ ثنايا التاريخ حتى تبدو قصّة الإنسان نفسه، وكأنّها معركة تحرّر وتحرير يخوضها على مرّ الزمن منذ أعماق التاريخ إلى يوم الناس هذا، بالرغم من اختلاف أشكال المعركة وألوانها وأهدافها وأساليبها باختلاف القِيَم الفكريّة التي ترتكز عليها.
وهذه الظاهرة العاطفيّة العامّة نجد تفسيرها في جانب ثابت من تكوين الإنسان وهو الإرادة؛ فالإنسان مجهّز ضمن تركيبه العضويّ والنفسيّ بالإرادة، وهو لذلك يحبّ الحرّيّة ويهواها، لأنّها تعبير عمليّ عن امتلاكه إرادتَه وإمكان استخدامها لمصالحه، وكما يسوءُ الإنسان أن يُعَطّل أيّ جهاز من أجهزته عن العمل، يسوؤه بطبيعة الحال أن يُشلّ جهازه الإراديّ بانتزاع الحرّيّة منه.


تحديد الحريّة
آمنَ الإنسان منذ البدء بأنّ الحرّيّة المطلقة لا يمكن أن توفَّر للفرد الاعتياديّ الذي يعيش ضمن مجتمع مترابط، لأنّ الحرّيّة المطلقة لكلِّ فردٍ في المجتمع تصطدم بحرّيّات الآخرين، وبالتالي يستقطب التناقض في الجهاز الاجتماعيّ، حتى يتفسّخ، فلِكَي يحتفظ كلّ فرد بنصيبٍ من حرّيّته بعيداً عن تدخّلات الآخرين، لا بدّ له أن يتنازل عن شيءٍ منها، وينعكس هذا التنازل على الصعيد الاجتماعيّ في القوانين التي تشرَّع لتنظيم المجتمع وضبط تصرّفاته.
وهكذا تصبح الحرّيّة المطلقة فكرة خياليّة، حين يبدأ الإنسان حياته الاجتماعيّة، ويصبح الشيء المهمّ هو تحديد النصيب الذي يجب أن يحتفظَ به كلُّ فرد من الحرّية.


الحرّية في الحضارات الغربيّة
حرصت الحضارات الغربيّة الحديثة على تقليص هذا التحديد - تحديد الحرّيّة - إلى أبعد الحدود، وتوفير أكبر نصيب ممكن من الحرّيّة لكلِّ فردٍ في سلوكه الخاصّ، وهذا النصيب هو القدر الذي لا يتعارض مع حرّيات الآخرين، فلا تنتهي حريّة كلّ فرد إلّا حيث تبدأ حرّيات الأفراد الآخرين.
وقد سكِرت الإنسانيّة على أنغام هذه الحرّية، وأغفت في ظلالها بُرهة من الزمن، وهي تشعر لأوّل مرّة أنّها حطّمت كلَّ القيود، وأنّ هذا العملاق المكبوت في أعماقها منذ آلاف السنين قد انطلق لأوّل مرّة، وأُتيح له أن يعمل كما يشاء في النور دون خوف أو قلق.
ولكن لم يدُم هذا الحلم اللّذيذ طويلاً، فقد بدأت الإنسانيّة تستيقظ ببطء، وتدرك بصورة تدريجيّة، ولكنّها مُرعبة، أنّ هذه الحرّيّة ربطتها بقيودٍ هائلة، وقضت على آمالها في الإنطلاق الإنسانيّ الحرّ؛ لأنّها وجدت نفسها مدفوعة في عربة تسير باتّجاه مُحدّد، لا تملك له تعبيراً ولا تطويراً، وإنّما كلّ سَلْوَتها وعزائها وهي تطالع مصيرها في طريقها المحدّد: أنّ هناك مَن قال لها إنّ هذه العربةَ عربةُ الحرّية، بالرغم من هذه الأغلال وهذه القيود التي وضعت في يدَيها.
أمّا كيف عادت الحرّيّة قيْداً، وكيف أدّى الانطلاق إلى تلك الأغلال التي تجرّ العربة في اتّجاه مُحدَّد محتومٍ؟! فهذا كلّه ما قدّره الإسلام قبل أربعة عشر قرناً، حيث جاء بمفهوم أعمق للحرّيّة، وأعلنها ثورة تحريريّة كبرى للإنسان، ولكنّها ليست ثورة على الأغلال والقيود بشكلها الظاهريّ فحسب، بل على جذورها النفسيّة والفكريّة.


الحرّية الإسلاميّة
ولَئِن كانت الحرّيّة في الحضارات الغربيّة تبدأ من التحرّر لتنتهي إلى ألوان من العبوديّة والأغلال - كما سنعرف - فإنّ الحرّية الرحيبة في الإسلام على العكس؛ فإنّها تبدأ من العبوديّة المخلصة لله تعالى، لتنتهي إلى التحرّر من كلّ أشكال العبوديّة المهينة: ﴿..تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ..﴾ آل عمران:64.
أرأيتَ كيف يقيم القرآن التحرّر من كلّ العبوديّات على أساس الإقرار بالعبوديّة المخلصة لله تعالى؟!
أرأيت كيف يجعل من علاقة الإنسان بربّه الأساس المتين الثابت لتحرّره في علاقاته مع سائر الناس، ومع كلّ أشياء الكون والطبيعة؟!


التحرير الداخليّ للإنسانيّة
يبدأ الإسلام عمليّته في تحرير الإنسانيّة من المحتوى الداخليّ للإنسان نفسه، لأنّه يرى أنّ منحَ الإنسان الحرّيّةَ ليس أن يُقال له: هذا هو الطريق قد أخليناه لك، فَسِرْ بسلام، وإنّما يصبح الإنسان حرّاً حقيقةً حين يستطيع أن يتحكّم في طريقه، ويحتفظ لإنسانيّته بالرأي في تحديد الطريق ورسم معالمه واتّجاهاته، وهذا يتوقّف على تحرير الإنسان قبل كلّ شيءٍ من عبوديّة الشهوات التي تعتلج في نفسه، لتصبح الشهوة أداةَ تنبيهٍ للإنسان إلى ما يشتهيه، لا قوّة دافعة تُسخِّر إرادة الإنسان دون أن يملك بإزائها حَولاً أو طولاً؛ لأنّها إذا أصبحت كذلك خسر الإنسانُ حرّيّته منذ بداية الطريق. ولا يغيّر من الواقع شيئاً أن تكون يداه طليقتَيْن، ما دام عقله وكلّ معانيه الإنسانيّة التي تميّزه عن مملكة الحيوان مُعتقلة ومُجمَّدة عن العمل.
ونحن نعلم أنّ الشيء الأساسيّ الذي يميّز حرّية الإنسان عن حرّية الحيوان بشكلٍ عامّ، أنّهما وإن كانا يتصرّفان بإرادتهما، غير أنّ إرادة الحيوان مُسخّرة دائماً لشهواته وإيحاءاتها الغريزيّة، وأمّا الإنسان فقد زُوّد بالقُدرة التي تمكّنه من السيطرة على شهواته وتحكيم منطقه العقليّ فيها، فَسِرُّ حريّته بوصفه إنساناً، إذاً، يكمن في هذه القدرة، فنحن إذا جمّدناها فيه واكتفينا بمنحه الحرّيّةَ الظاهريّة في سلوكه العمليّ، ووفّرنا له بذلك كلّ إمكانيات ومغريات الاستجابة لشهواته، كما صنعت الحضارات الغربيّة الحديثة، فقد قضينا بالتدريج على حرّيّته الإنسانيّة في مقابل شهوات الحيوان الكامن في أعماقه، وجعلنا منه أداة تنفيذٍ لتلك الشهوات، حتّى إذا التفت إلى نفسه في أثناء الطريق، وجد نفسه محكوماً لا حاكماً، ومغلوباً على أمره وإرادته.
وعلى العكس من ذلك، إذا بدأنا بتلك القدرة التي يكمن فيها سرّ الحرّيّة الإنسانيّة فأنميناها وغذّيناها وأنشأنا الإنسان إنشاءً إنسانيّاً لا حيوانيّاً، وجعلناه يَعي أنّ رسالته في الحياة أرفع من هذا المصير الحيوانيّ المبتذَل، الذي تسوقه إليه تلك الشهوات، وأنّ مَثَلَهُ الأعلى الذي خُلِق للسّعي في سبيله أسمى من هذه الغايات التافهة والمكاسب الرخيصة التي يحصل عليها في لذّاته المادّيّة، إذا صنعنا ذلك كلّه، فسوف نخلق الإنسان الحرّ القادر على أن يقول: «لا» أو «نعم» من دون أن تكمّم فاه أو تغلّ يديه هذه الشّهوة الموقوتة، أو تلك اللذّة المبتذلة.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد