
بعض الناس يعيشون لأجل أن يصنعوا ذكريات للمستقبل. ما يقومون به من أعمال ومشاريع وأنشطة يفعلونه وهم يتصورون كيف سينظرون إليه بعد مدة طويلة من الزمن. المستقبل منظور عندهم دائمًا، لكن، بعين الماضي!
هناك قسم من البشر يعيش ليصنع أمورًا جميلة في حياته لكن فقط لأجل أن يتذكر حين يمر الوقت أو يبلغ آخر العمر أنّه عاش في الدنيا بشكل جيد. كلما نظر إلى الغد الآتي تصوّر نفسه وهو يجلس ويستحضر ما قام به وفعله. لعل ذلك ما يمنحه الشعور بأنّ حياته لها معنى.
هؤلاء يعيشون للمستقبل دومًا، لكن هذا المستقبل عندهم ليس سوى الماضي المستحضر. كأن المستقبل هو موتٌ لا حياة فيه سوى ذكريات الماضي. ثم يأتي التصوير الفوتوغرافي ليعطيهم قدرة أكبر على تحقيق هذه الأمنية؛ فإذا ذهبوا في سياحة إلى بلدٍ أو زاروا متحفًا أو معلمًا أثريًّا، يقضون وقتًا مهمًّا في تصوير المشاهد المختلفة ويركزون على التقاط صور ستكون خير عون لهم على التذكُّر. يقال إنّ هؤلاء لا يستطيعون أن يعيشوا اللحظة والحاضر. ومن لا يقدر على ذلك لن يكون له سوى شيء قليل ليتذكره.
تمّ استطلاع مجموعة من السياح الذين زاروا أحد المتاحف، وسُمح لمجموعة منهم بالتقاط الصور للرسومات والمنحوتات والأعمال الفنية الموجودة فيه. بعد خروجهم من المتحف، تم طرح مجموعة من الأسئلة المتشابهة على المجموعتين. فتبيّن أنّ الفئة التي سُمح لها بالتقاط الصور كانت أقل انتباهًا للكثير من التفاصيل الموجودة في تلك الأعمال الفنية!
هكذا يُصبح العيش من أجل الماضي سببًا لتضييع هذا الماضي أيضًا. لن يكون في المستقبل لمن يعيش مثل هذه الحياة سوى ذكريات ضعيفة يصعب عليه تذكُّرها. حين يبقى الإنسان أسير الزمان لن يكون له من الزمان سوى شيء ضئيل جدًّا.
يقلقنا ألّا نعيش الحياة بكل ما فيها من فرص. الإنسان الذكي يعلم أنّ الحياة فرصة لا تتكرر، ولذلك يريد أن يعيشها إلى أقصى حدّ. هذه سمة إنسان العصر الذي صار يفكر بالحياة ككل. لكن تلك الطريقة من العيش لا تختلف كثيرًا عن عيش من كان في العصور الماضية وهو لا يدري لماذا يعيش.
التحرُّر من الزمان هو الطريقة الوحيدة لكي نغتنم هذه الحياة إلى أقصى حد. يقال إنّ الذي يعتق نفسه من إطار الزمان يتّسع زمانه ويصبح ممتدًّا في الطول والعرض أيضًا. قد تراه عاش ستين سنة، لكن كل سنة منها كانت بمثابة عشرات السنين مقارنةً بغيره. لا نحتاج إلى العيش مع الذكريات، بل نحتاج إلى جعل كل لحظة آتية فرصة جديدة.
إن ربطنا حياتنا واستمتاعنا بقوانا الجسدية، وتصورنا أنّنا سنفقد الكثير منها مع مرور الأيام، فهذا يعني أنّنا مُقبلون على خسارة الحياة شيئًا فشيئًا. لعلّ هذا هو الذي يحمل أولئك على صناعة الذكريات الجميلة. يريدون أن يبقوا على قواهم وهم يعلمون أنّ هذا الأمر مستحيل، فلا بأس أن يحفظوها بالذكريات!
لكنّ الله تعالى لم يخلق الإنسان لكي ينتقل من حالة الضعف إلى القوة ثم إلى الضعف لكي يتسافل بعدها ويفقد معنى الحياة. قيل إنّ الشيبة الموجودة في هذه الآية: {اللَّهُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَليمُ الْقَدير}، تُشير إلى الوقار والوقار هو الثقل. يُفترض أن يزداد المرء كلما تقدم في العمر ثقلًا وبذلك يزداد استمتاعًا بالحياة شرط أن لا يكون قد بنى هذه الحياة على المتع الجسمانية.
إنّ ضعف قوى البدن يُفترض أن يمثل فرصة إضافية لكي ينتبه إلى الأمور الروحية. إذا كانت أرواحنا محبوسة في أجسادنا تسير معها حيثما سارت، فإنّ ضعف القوى البدنية يُفترض أن يشكل فرصةً لتحرُّر الأرواح وانعتاقها. ولا شيء يمكن أن يضاهي متعة الروح.
ها نحن نشبه الحيوانات في الإدراكات الحسية، ولكن هل تستمتع البهائم والأنعام بجمال المنظر؟ لماذا؟ لأنّ ما تدركه بحواسها لا يجد روحًا تستقبله، بخلاف الإنسان. الروح هي التي تستمتع بالجمال والمعنى. ومع تقادم العمر يُفترض أن تزداد الروح تألقًا فيزيد استمتاعنا.
قيدٌ آخر للروح هو الفكر وهو لا يقل خطورة عن قيد البدن. رغم أنّ عالم الأفكار متصل بعالم الروح والمعنى، لكن إذا لم نعرف كيف نتحرر من قيوده يأسرنا بشدة. هذا ما يشعر به من قيد عقله بالفكر، فإذا كبر في العمر لم يجد وسيلةً للتكامل الفكري. الفكر بقدر ما هو جسرٌ رائع يُعد منزلًا سيئًا. يجب أن نتجاوز الفكر إلى عالم الروح.
علامة انحباسنا في قيد الفكر أنّنا نلبث على التفكر في الأمر نفسه. لنفترض أنّك من أهل الفكر في معرفة الله وقد استطاع فكرك أن يتوصل إلى جميع الأدلة والبراهين المطروحة في مجال إثبات التوحيد. هذا أمرٌ رائع، لكنّه يصبح مانعًا من إدراك حقيقة التوحيد والتحقق به إن اعتبرته آخر المطاف.
كل واحد منّا قد ينسج لمستقبله ذكريات من نوعٍ خاص. هناك من ينسج ذكريات الرحلات والأسفار؛ وهناك من ينسج ذكريات الخيالات والأفكار؛ لكن آخر العمر أو المستقبل يُفترض أن يكون فرصتنا الأساسية لتجربة من نوعٍ خاص لا تحصل إلا بعد التحرر من الماضي مهما كان جميلًا.
الإيقاظ والتّنبيه في القرآن الكريم
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (فقد) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
تأخير التوبة اغترار
الشيخ مرتضى الباشا
حين نعيش لأجل الماضي.. كيف نفقد معنى الحياة؟
السيد عباس نور الدين
المنطقة الدماغية المرتبطة بالتناقض الأخلاقي
عدنان الحاجي
نحو فلسفة القيم الحضارية (3)
الشيخ شفيق جرادي
منشأ استجابة الحسين (ع) لأهل الكوفة
الشيخ محمد صنقور
غزوة حنين في الرّابع من شهر شوّال
الشيخ محمد جواد مغنية
الحداثة المستعلية بتغطية فلسفيّة (2)
محمود حيدر
كن عظيمًا
الشيخ علي رضا بناهيان
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
بين احتمال ومحض تجريد
محمد أبو عبدالله
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
الإيقاظ والتّنبيه في القرآن الكريم
معنى (فقد) في القرآن الكريم
تأخير التوبة اغترار
حين نعيش لأجل الماضي.. كيف نفقد معنى الحياة؟
المنطقة الدماغية المرتبطة بالتناقض الأخلاقي
نحو فلسفة القيم الحضارية (3)
منشأ استجابة الحسين (ع) لأهل الكوفة
الخامس من شوّال من العام ستّين للهجرة، وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
كيف نشجّع أولادنا على مصارحتنا؟