من التاريخ

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ مرتضى الباشا
عن الكاتب :
الشيخ مرتضى الباشا، من مواليد سيهات في 1395 هـ، التحق بالحوزة العلميّة ودرس على مجموعة من علمائها، له كثير من النّشاطات والمشاركات عبر مواقع الإنترنت، وله العديد من المؤلفات منها: الحبوة في مناسك الحج، أسرار الحج في كلمات العلماء، ذبائح أهل الكتاب (دراسة مقارنة)، فيه آيات بينات، ومذاكرات في التقريب والوحدة (المنهج التقريبي السليم).

درهم شطيطة

[بعد شهادة الإمام الصادق (عليه السلام)] اجتمعت العصابة الشّيعة بنيسابور واختاروا محمد بن علي النيسابوري فدفعوا إليه ثلاثين ألف دينار [ذهب]، وخمسين ألف درهم [فضة]، وألفي شقة [قطعة] من الثياب.

 

وأتت [امرأة اسمها] شطيطة بدرهم صحيح، وشقة خام [قطعة قماش] من غزل يدها تساوي أربعة دراهم فقالت: إنّ الله لا يستحي من الحق [يعني الدرهم هو الواجب الذي في ذمتي، وأنا أدفع هذا الواجب]. قال: فثنيت درهمها.

 

وجاؤا بجزء، فيه مسائل ملء سبعين ورقة، في كل ورقة مسألة، وباقي الورق بياض، ليكتب [الإمام الجديد] الجواب تحتها، وقد حزمت كل ورقتين بثلاث حزم، وختم عليها بثلاث خواتيم، على كل حزام خاتم، وقالوا: ادفع إلى الإمام ليلة، وخذ منه في غدٍ، فإن وجدت الجزء صحيح الخواتيم، فاكسر منها خمسة وانظره هل أجاب عن المسائل، وإن لم تنكسر الخواتيم فهو الإمام المستحق للمال فادفع إليه، وإلا فردّ إلينا أموالنا.

 

[توضيح الفكرة: جاءوا بسبعين سؤالًا، كل سؤال في ورقة، كل ورقتين عليها ثلاث حزم، وكل حزام عليه خاتم بالشمع. والامتحان للإمام الجديد يكون بالطريقة التالية:

 

يعطيه هذا الأسئلة السبعين المغلقة المختومة بالشمع ليلاً، ويعطيه فرصة إلى النهار، حتى يجيب على الأسئلة كلها بدون أن يكسر الشمع الموجود على الأسئلة، وبدون أن يفتح الورق. فإن عجز الإمام الجديد عن الإجابة على الأسئلة بهذه الطريقة فهو ليس بإمام، فلا تسلمّه الأموال، وأرجع الأموال إلينا].

 

فدخل على الأفطح (عبد الله بن جعفر) وجرّبه، وخرج عنه قائلاً: رب اهدني إلى سواء الصراط.

 

[توضيح: (الأفطح عبد الله) هو أحد أبناء الإمام الصادق (عليه السلام) وقد ادعى الإمامة، وظهرت فرقة تؤمن بأنه إمام، ولكنها انقرضت بعد ذلك. هذا الراوي دخل على الأفطح، ولكنه اكتشف بأن هذا الرجل لا يصلح للإمامة فبقي حائرًا، ودعا الله تعالى أن يهديه سواء الصراط].

 

قال: فبينما أنا واقف إذا أنا بغلام، يقول: أجب من تريد [يعني تعال معي إلى من تبحث عنه]، فأتى بي دار موسى بن جعفر، فلما رآني قال لي [الإمام الكاظم]: لم تقنط يا أبا جعفر؟ ولم تفزع إلى اليهود والنصارى؟ فأنا حجة الله ووليه، ألم يعرفك أبو حمزة [وهو الغلام الذي أتى به للبيت] على باب مسجد جدي؟

 

وقد أجبتك عما في الجزء من المسائل بجميع ما تحتاج إليه منذ أمس [توضيح: يعني المسائل التي أتيت بها، قد أجبنا عليها كلها وهي عندك، بدون أن تعطينا الأسئلة في الليل، وتمهلنا للنهار حتى نجيب].

 

فجئني به، وبدرهم شطيطة الذي وزنه درهم، ودانقان الذي في الكيس الذي فيه أربعمائة درهم للوازواري (كذا) والشقة التي في رزمة الأخوين البلخيين.[توضيح: الإمام الكاظم اختار من تلك الأموال الكثيرة فقط أشياء محددة يعرف مقدارها، ويعرف أصحابها، لأن أصحابها كانوا أتقياء].

 

قال: فطار عقلي من مقاله، وأتيت بما أمرني ووضعت ذلك قبله، فأخذ درهم شطيطة وإزارها، ثم استقبلني وقال: إنّ الله لا يستحي من الحق. [توضيح: كرر الإمام نفس  الجملة التي قالتها شطيطة].

 

يا أبا جعفر أبلغ شطيطة سلامي وأعطها هذه الصرة - وكانت أربعين درهمًا - ثم قال: وأهديت لك شقة من أكفاني من قطن قريتنا صيداء قرية فاطمة (ع) وغزل أختي حليمة ابنة أبى عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع)، ثم قال: وقل لها ستعيشين تسعة عشر يومًا من وصول أبى جعفر ووصول الشقة والدراهم، فانفقي على نفسك منها ستة عشر درهمًا، واجعلي أربعة وعشرين صدقة منك وما يلزم عنك، وأنا أتولى الصلاة عليك. [توضيح: كافأها الإمام عليه السلام بأضعاف ما دفعت، وبكفن من عنده، وبأن يأتي للصلاة على جنازتها].

 

فإذا رأيتني يا أبا جعفر فاكتم عليّ فإنه أبقى لنفسك [يعني لا تخبر الناس بأني الكاظم ما دمت موجودًا]، ثم قال: واردد الأموال إلى أصحابها [يعني لا حاجة لنا في تلك الأموال الكثيرة] وافكك هذه الخواتيم عن الجزء، وانظر هل أجبناك عن المسائل أم لا؟ من قبل أن تجيئنا بالجزء.

 

فوجدت الخواتيم صحيحة [الشمع كما هو بدون أن ينكسر، وقد أجاب الإمام عن جميع تلك المسائل]... فلما وافى خراسان وجد الذين ردّ عليهم أموالهم ارتدوا إلى الفطحية [يعني الإمام رفض استلام الأموال من الأشخاص الذي انحرفوا عن الحق]، وشطيطة [ما زالت] على الحق، فبلغها سلامه وأعطاها صرته وشقته، فعاشت كما قال (ع)، فلما توفيت شطيطة جاء الإمام [الكاظم] على بعير له، فلما فرغ من تجهيزها ركب بعيره، وانثنى نحو البرية وقال: عرّف أصحابك، وأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إنيّ ومن يجري مجراي من الأئمة [أي جميع أئمة الهدى] لا بد لنا من حضور جنائزكم، في أي بلد كنتم فاتقوا الله في أنفسكم. (المصدر: مناقب آل أبي طالب 3 : 409 – 411).

 

من فوائد القصة السابقة:

 

1: ليس من الضروري أن تمتلك مئات الآلاف من الريالات، لتجب في ذمتك الزكاة أو الخمس.

 

2: ربما يكون الواجب في ذمتك (درهم واحد) أو (خمس ريالات).

 

3: ليست العبرة بالكثرة، بل العبرة بالتقوى وأداء الواجب (إنّ الله لا يستحي من الحق).

 

4: أداء الحقوق الشرعية تزكي النفوس والأموال، وتعطي البركة والمزيد.

 

5: في سلّم الكمال، لا فرق بين الرجل والمرأة، فربّ امرأة أتقى وأقرب إلى الله تعالى من آلاف الرجال.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد