فجر الجمعة

العلامة النمر: منهج الله التربوي يشمل حسن التفكير والتحاور والأخوة بين المؤمنين

خطبة للسيد حسن النّمر بعنوان: "من ملامح المنهج التربوي" ألقاها في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات في 1445/11/22 هـ

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين. رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم. عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأن من التقوى ألا نحيد عن منهج الله التربوي. والحديث في هذا يطول ويتشعب، وسنكتفي بالمرور على محطتين نتعرف فيهما على ملامح عامة لهذا المنهج.

وأول هاتين المحطتين الواجب الوقوف عندها، هي أن من أبرز صفات الله تعالى أنه رب العالمين، فلا موجود إلا وهو مخلوق له، فقد قال تعالى عن نفسه: "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل". لهذا أدبنا سبحانه بأن نقف للصلاة بين يديه خمس مرات يومياً، واصفين إياه عشر مرات في الحدّ الأدنى، قائلين الحمد لله رب العالمين. وربنا هذا هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. ومن مظاهر ربوبيته لنا أنه استجاب دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام الذي دعاه قائلاً: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون". وقال إبراهيم عليه السلام: "ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم".

فقد خلقنا الله عز وجل إذًا لمهمة مقدسة، ورسم لنا دوراً نبيلاً وزودنا بما يكفل لنا أداء ذلك بكفاءة، فقال تعالى: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم". ولنقف في محطة ثانية على الملامح التربوية التي تجلى فيها لطف الله ورأفة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بنا.

 

الملمح الأول: حسن التفكير

وفي ذلك يأمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب". والآيتان بيان لتأديب عام، فيما ينبغي للإنسان أن يكون عليه في التعامل مع ما يُلقى إليه من مفاهيم ورؤى، بحسن الاستماع لما يُلقى عليه من ذلك، وحسن الاختيار لما يختاره منها، وأن ذلك هو سلوك العقلاء أولي الألباب، وأن هؤلاء هم عباد الله المهتدون، وأنهم دون غيرهم المستحقون للبشارة من عنده. فالتربية الإسلامية لا تسمح بصمِّ الأسماع عن الحق، ولا بتقبل الباطل، وهذا وذاك يقتضيان بالتفكير الموضوعي فيما نسمع ونقرأ لاختيار ما بدا صوابه، ونبذ ما ظهر بطلانه.

 

الملمح الثاني: حسن التحاور

وفي ذلك يقول الله تعالى: "قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين". وهذا مقطع كريم من آية كريمة، جاءت في سياق التحاور مع المخالف غير المسلم، وأن من الحكمة أن لا يُصار إلى الجزم بالانتساب إلى الحق دونه، حتى يكون ذلك ميسراً له أن تنفتح نفسيته، فينصت لما يُلقى على مسامعه. وليست الآية في مقام الترديد والتشكيك من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما هو عليه من الحق، فهذا غير متصور أبداً، كما أنها ليست كذلك بالنسبة لمن يعتقد الصواب فيما يتبناه، وإنما هي بصدد التأديب على حسن التحاور والتخاطب.

 

الملمح الثالث: حفظ الأخوة بين المؤمنين

وفي ذلك يقول الله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون". فالملمحان السابقان يبيّنان لنا كيفية تعامل المسلم مع المختلف غير المسلم، وأما هذا الملمح فيبيّن طبيعة العلاقة بين المسلم وأخيه، وأنها تتمثل في الأخوة بكل ما تعنيه الأخوة من معاني المودة والتناصر والتناصح. وهذا يعني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح ذات البين بين المختلفين من المؤمنين يجب أن يكون في إطار هذه الأخوة، بعيداً عن اللامبالاة، وبعيداً عن الغلظة والشدة، وبعيداً عن الانحياز بغير حق لهذا الطرف أو ذاك.

 

الملمح الرابع: حسن التخاطب بين المؤمنين

وفي ذلك يقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون". وهذا الملمح يؤكد على حرمة السخرية والاستهزاء بين المؤمنين دون أن تميز الآية بين أن يكون سبب الاستهزاء وصفاً شخصياً أو رأياً أو ممارسة، وأن من يقترف ذلك ينثلم إيمانه بقدر سخريته بأخيه المؤمن، ويخرج بسبب ذلك من دائرة الإيمان إلى دائرة الفسق، ومن دائرة الإحسان إلى دائرة الظلم.

 

الملمح الخامس: حسن الإصلاح عند الاختلاف

وفي ذلك يقول الله تعالى: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين". فعموم المؤمنين ليسوا معصومين، وقد يقع بينهم اختلاف، وقد يشتد هذا الاختلاف ليبلغ الاقتتال، فما هو الواجب على غيرهم من المؤمنين؟ الجواب هو السعي الجاد في إصلاح ذات البين، بملاحظة مكانة الأخوة ووجوب المحافظة عليها ضمن إطار الإيمان، وأن من يخرج عن ضوابطها يُدعى إليها بالحسنى، فإن بغى وطغى وقاتل، جاز إجباره ولو بمقاتلته من أجل العودة إليها. ولا يخفى أن التعرف على تفاصيل هذه الملامح والتفقه بما تستلزمه من كليات وجزئيات، هو ما يتكفله نظام التربية والتعليم، الذي هو من أفضل العبادات. وقد جاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما عُبد الله عز وجل بشيء أفضل من فقه في دينه". وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم، ألا إن الله يحب بغاة العلم أي طلابه". والآيات والروايات في هذا الباب مستفيضة ولا غرابة في هذا الاهتمام والالتزام، فالفرق الفارق بين الإنسان والحيوان هو صلاحية الإنسان للتربية والتعليم المفتوحين دون الحيوان. وهذا التقدير والاهتمام العقلائي العام بشأن التربية والتعليم، هو الذي ينسجم مع طبيعة الإنسان، الذي هو بحاجة في مختلف أبعاد وجوده، إلى التربية بمعناها الشامل والمتكامل. وهذه الغاية الربانية في تربية الإنسان تستدعي شمولية وتكاملاً وتحضيراً مبكراً، وهذا ما نراه في تعاليم المشرع الإسلامي، بدءاً من اختيار الزوجة الصالحة، والزوج الصالح، مروراً بفترة الحمل، ثم الرضاعة، وصولاً إلى مراحل التربية المتدرجة من الطفولة إلى الشباب. ولا يخفى ذلك على من لديه إلمام بنصوص هذا المشروع ونتاج العلماء به، وإن المتأمل في مثل قول الله تعالى: "قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون، أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون". إن المتأمل في هذه الآيات يجد تحفيزًا لكل إنسان ينشد الفلاح، وجميع الناس ينشدون الفلاح، إلى الوقوف على أن له -أي الفلاح- شروطًا ومتطلبات، منها: تنظيم العلاقة بالله تعالى من خلال الصلاة والخشوع فيها أولًا، والمحافظة عليها ثانيًا، ومنها تنظيم العلاقة مع الخلق والخالق من خلال الزكاة والعطاء، فإن الناس يحتاج بعضهم إلى بعض في قضاء حوائجهم المادية، ومنها تنظيم العلاقة الجنسية بين الرجال والنساء وحصرها في الزواج وملك اليمين، وما عداهما فهو محرم تحريمًا باتًا وعدوان صارخ، ومنها تنظيم العلاقة المادية والمعنوية بين الناس، وأنها محكومة بالأمانة التي لا يجوز معها خيانتهم في التصرف في أموالهم، ولا بإفشاء أسرارهم وهتك ستورهم. فإن من يلتزم هذه السلوكيات ويتحلى بهذه الأخلاقيات، سيكون من المؤمنين الذين يرجى فلاحهم، ويؤمل أن يكون من الوارثين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون.

 

وإن سألت أخي المؤمن وأختي المؤمنة عن من يوفق إلى ذلك، فأنصت إلى ما رواه كامل التمار حيث قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: "يا كامل، أتدري ما قول الله عز وجل: 'قد أفلح المؤمنون'؟ قلت: أفلحوا فازوا وأدخلوا الجنة، قال: قد أفلح المسلمون، إن المسلمين هم النجباء". إذًا فلا إيمان بدون تسليم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وتصديق ذلك من كتاب الله قوله سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم" وقوله: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا".

وأما المصداق البارز لهؤلاء، فقد روي عن الإمام موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السلام في قول الله عز وجل: "قد أفلح المؤمنون" إلى قوله: "الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون"، قال: "نزلت في رسول الله وفي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين".

ويشهد لذلك ما رواه الترمذي بسند صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه غطى نفسه وأهل بيته بالكساء وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا".

 

نسأل الله أن نكون وإياكم ممن يهتدي بهدي الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأئمة الهدى من أهل بيته عليهم السلام، وممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة، ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، واردد كيدهم إلى نحورهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم يا قوي يا عزيز. اللهم من أرادنا بسوء فأرده، ومن كادنا فكده. اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وأغنِ فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد