علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

ميتافيزيقا العرفان السياسي (3)

المرجعية الوحيانية في تنظيرات طه العرفانية

 

يؤسِّس محمود محمد طه منظومته على المباني الكبرى للإسلام. ومن هذا التأسيس سيذهب إلى تأصيل مفهوم الوجود ناظراً إليه باعتباره صورة لفظية لإيجاد الله الموجودات، وخلقه الخلق في الزمان والمكان. وليس من ريب أنه في تأويليته هذه أجرى خرقاً غير مألوف في نظرية المعرفة الوجودية، ولا سيما لجهة ما دأبت عليه الفلسفة الكلاسيكية في تقسيم الوجود إلى وجود بالذات وهو وجود الله ووجود بالغير أي الموجودات المادية وسائر ما يحويه عالم الممكنات.

 

ومن أجل أن يثبت تأويلتيه حول إيجاد الموجود الإنساني على سبيل المثال، فإنه يستعين بالآيتين التاليتين كمثال بليغ على ما ذهب إليه: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} (12). والإشارة إلى “الطين” تعني الخلق في طور الجمادات، والسوائل، والغازات، تلك سيرها الله تسييراً مباشراً. وأما الإشارة بكلمة “سويته”فهي تعني الخلق، في طوري النبات، والحيوان، بجميع صوره، وهـو ما قلنا إن الله سيره، بإرادة الحياة، تسييراً شبـه مباشر، والإشارة بقولـه “ونفخت فيه من روحي”فإنما تعني الخلق في مرتبة الإنسان، وهو ما يدل على أن الله سيره، بإرادة الحرية، تسييرا غير مباشر..

 

وهذه الآيات الثلاث أوضح في الدلالة على حقيقة القرآن، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ} (13).. يضيف: وهذا الخلق والإيجاد، استغرق آماداً سحيقة، في الزمان والمكان، وهو صورة من التطور الذي يتبع بعضه بعضاً في حلقات متصلات. وقامت عملية التسيير الإلهي للوجود حيناً بصورة على أنـه شبه مباشرة وتتعلق بمرتبة النبات، والحيوان، وغير مباشرة في مرتبة الإنسان، ومثل هذا التسيير احتكم إلى الصراع بين الأحياء فيما بينها، وبين الأحياء والبيئة الطبيعية التي وُجدوا فيها.. أما السؤال فهو حول إرادة الحرية وماذا تريد الحرية. (14).

 

على هذه الدربة يؤثِرُ محمود محمد طه الرجوع إلى الكلام الإلهي في مجمل أفهامه الأنطولوجية. فهو يرى العالم المخلوق واحداً، ليبيِّن أن نظرية وحدة الوجود التي شكلت جوهر المنازعات بين الفلاسفة والميتافيزيقيين، هي نظرية تصح على عالم الخلق وحسب. أما الذات الإلهية فهي منزَّهة عن الاختلاط فيه. وبذلك ينفي الحلولية التي دأبت الفلسفة الغربية الحديثة على تنظيرها كما فعل الإغريق من قبل، كما ينقض وحدة الوجود التي قال بها  سبينوزا في خلال الصعود المدوِّي لفلسفة الحداثة. يقول في هذا الصدد: “ثم نعود إلى الكون، لنجد ان هذه عناصر الأرض، وهذه مركباتها، وهي كل شيء فيها، وقد بناها بانيها من لبنات ثلاث: إلكترونات، بروتونات ونيترونات” (15)..

 

وهكذا فإن الكون بأجمعه – حسب طه – مؤلّف من تلك اللبنات الثلاث (16).. وفي سياق تأصيل أطروحته الإيجادية للموجودات مضى إلى تقديم معادلة فيزيائية قوامها ما يلي: “لو أننا أمرنا الأرض أن ينفرط عقدها وأمـرنا أجسـام الإنسان أن تنـفرط، وأجسام الحيوان، وأجسام النبات، وأجسام الصخر بهذه الأرض، والصخور بهذه الكواكب، وأمرنا كل غاز الشمس أن ينفرط، وأن تنفرط غازات النجوم جميعها، ما قرب منها وما بعد، واختصاراً أن ينفرط كل شيء في الوجود، لنتج عن انفراطه كومات هائلة ثلاث من: إلكترونات- وبروتونات- ونيوترونات، فهل في معاني الوحدة أبلغ من هذا المعنى؟ ونقول ثلاث لبنات، وهل هي حقا ثلاث؟ وفي الوقت الذي تُردُّ فيه المادة إلى ثلاث لبنات، يـرُّد العلماء القوى إلى أصـل واحد: الضـوء، الحـرارة، الأشعـة السينيـة، الأشعـة اللاسلكية، الأشعة الجيمية، وكـل إشعـاع في الدنيا، كلها صور متعددة لقوة واحدة، تلك القوة المغناطيسية الكهربائية، حيث أنها جميعاً تسير بسرعة واحدة، وما اختلافها إلا اختلاف موجة (17).

 

وإذن، العالم المادي بحسب أطروحة طه، هو بمثابة الظِـلال للعالم الروحي، أو قل بتعبيـر أدق، أن المادة روح، في حالة من الاهتزاز تتأثر بها حواسنا، وأن الروح مادة، في حالة من الاهتزاز لا تتأثر بها حواسنا، فالاختلاف، على ذلك، بين عالم المادة، وعالم الروح هو اختلاف مقدار وليس اختلاف نوع، وهذا يفتح الباب على الوحدة. أي وحدة جميع العوالم.. ثم يستكمل فرضيته بالقول: “حين ينتهي بنا العلم التجريبي المادي إلى رد جميـع ظواهـر الكـون المادي إلى وحدة هي “الطاقة”، يبرز لنا من جديد، وبصورة خلابة، العلم التجريبي الروحي، ليتولى قيادنا في شعاب الوادي المقدس، الذي يقع وراء المادة، ونستطيع، بمواصلة البحث والاستقصاء، في العلم التجريبي الروحي، أن نرى هل يمكن أن ترد ظواهر الأخلاق البشرية إلى أصل واحد، كما ردت ظواهر الكون المادي إلى أصل واحد، ويتم بذلك الاتساق، والتلاؤم، بين سلوك البشر، وبين البيئة المادية التي يعيشون فيها، فينتهي بذلك القلق الحاضر، ويعم الأرض السلام؟” (18).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – سورة ص، الآيتان 71-72.

2 – سورة السجدة، الآيات 7-8-9.

3 – محمود محمد طه- الإسلام- الطبعة الثانية- 1968- منشورات الحزب الجمهوري – أم درمان- السودان- 1968- ص 20.

4 – محمود محمد طه- الإسلام- الطبعة الثانية- منشورات الحزب الجمهوري – أم درمان- السودان- 1968- ص 6.

5 – المصدر نفسه – ص 7.

6 – المصدر نفسه – ص 8.

7 – المصدر نفسه – ص 9.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد