علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ جعفر السبحاني
عن الكاتب :
من مراجع الشيعة في ايران، مؤسس مؤسسة الإمام الصادق والمشرف عليها

لماذا الإعراض عن البحث عمّا وراء الطبيعة؟ (1)

هناك طوائف تمنع من البحث عمّا وراء هذا العالم المشهود، وتَعُدُّ حُدودَ المادّةِ أَقصى ما تَصِلُ إليه المعرفةُ البشرية، وتسلب كلّ قيمة من العلم المتعلّق بما وراء الطبيعة. والعجب أن بعض هذه الطوائف من الإلهيين الذين يعتقدون بوجود الإله، ولكن لا يبيحون البحث عمّا وراء الطبيعة على الإطلاق ويكتفون في ذلك بالإيمان بلا معرفة. وإليك هذه الطوائف:

 

الطائفة الأولى: المادّيون

 

وهم الذين يعتقدون بأصالة المادة وينفون أيّ وجود وراء العالم الطبيعي، فالوجود عندهم مساو للمادة...

 

الطائفة الثانية: المفرّطون في أدوات المعرفة

 

وهؤلاء يعتقدون بما وراء الطّبيعة، غير أنّهم يعتقدون بارتفاع قمم ذلك العالم وشموخها بحيث لا يمكن أن تبلغها العقول وتنالها الأفهام.

 

وهؤلاء يدعون أمراً ولا يأتون عليه بدليل، فإنّ عند العقل قضايا بديهية كما أنّ لديه قضايا نظرية منتهية إلى البديهية. والقضايا البديهية صادقة بالبداهة في حق المادة وغير المادة. وكما أنّ العقل يستنتج من إنهاء القضايا النظرية في الأمور الطبيعية إلى البديهية، نتائج كانت مجهولة، فهكذا عمله في القضايا الراجعة إلى ما وراء المادة...

 

الطائفة الثالثة: مدّعو الكشف والشّهود

 

وهؤلاء يعتقدون أنّ الطريق الوحيد للتعرف على ما وراء الطبيعة هو تهذيب النفس وجعلها مستعدة لقبول الإفاضات من العالم الرّبوبي، وهذا في الجملة لا إشكال فيه، ولكن حصر الطريق بالكشف والشهود ادعاء بلا دليل. فلا مانع من أن تكون أدوات المعرفة متعددة من الحسّ والعقل والكشف.

 

الطائفة الرابعة: الحنابلة وبعض الأشاعرة

 

وهؤلاء يعتقدون بأنّ الطريق الوحيد للتعرف على العالم الربوبي هو إخبار السماء، فلا يجوز لنا الحكم بوحدة الذات الإلهية أو كثرتها، وبساطتها أو تَرَكُّبِها، وجسمانِيَّتِها أو تَجَرُّدِها، إلاّ بالأخبار والأنباء الواردة من السماء. وقد عزب عن هؤلاء أنَّ العقل عنصر سماوي موهوب من قبل الله تعالى للإنسان لاكتشاف الحقائق بشكل نسبي. قال سبحانه: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].

 

وأوضح دليل على قدرة العقل على البحث ودراسة الحقائق السّفليّة والعلويّة حثّ الوحي على التّعقّل سبعة وأربعين مرة، والتّفكّر ثمانية عشر مرة، والتّدبّر أربع مرات في الكتاب العزيز.

 

وتخصيص هذه الآيات بما وقع في أفق الحس تخصيص بلا دليل.

 

ثم لو كان الخوض في البحث عما وراء المادة أمراً محظوراً، فلم خاض القرآن في هذه المباحث، ودعا جميع الإلهيين إلى سلوك هذا الطريق الذي سار عليه. قال سبحانه: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] وقال سبحانه: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91]. ترى في هاتين الآيتين أدَقَّ البراهين على التوحيد في التدبير بما لا يُتَصَوَّر فوقَهْ...

 

إِنَّ الكتاب الكريمَ يَذُمُّ المشركين بأَنَّهم يعتقدون بما لا برهان لهم علي، ومن خلال ذلك يرسم الطريق الصحيح للإلهيين وهو أَنه يجب عليهم تحصيل البرهان على كل ما يعتقدونه في المبدأَ والمعاد. قال سبحانه: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 24].

 

ولو كان عمل السلف في هذا المجال حجة، فهذا الإمام علي بن أبي طالب قد خاض في الإِلهيات في خطبه ورسائله وكلماته القصار بما ليس في وسع أحد غيره.

 

ولأجل ذلك ترجع إليه كثير من المدارس الفكرية العقلية في الإلهيات، وعنه أخذت المعتزلة العدل والتوحيد، والإمامية أصولها وعقائدها.

 

فلا ندري لماذا تحتج سلفية العصر الحاضر والماضي بعمل أهل الحديث من الحنابلة والأشاعرة، ولا تحتج بفعل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ربيب أحضان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتلميذه الأول خليفة المسلمين أجمعين.

 

قال العلامة الطباطبائي رحمه الله: «إنَّ للناس مسالك مختلفة في هذا المجال، فهناك من يرى البحث عن الحقائق الدينية والتّطلّع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسّنّة بدعة، والعقل يخطّئهم في ذلك، والكتاب والسّنّة لا يصدّقانهم.

 

فآيات الكتاب تحرّض كلّ التحريض على التدبر في آيات الله وبذل الجهد في تكميل معرفته ومعرفة آياته بالتذكر والتفكر والنظر فيها والاحتجاج بالحجج العقلية، ومتفرقات السّنّة المتواترة معنى توافقها. وهؤلاء هم الذين يحرّمون البحث عن حقائق الكتاب والسنة، حتى البحث الكلاميّ الذي بناؤه على تسليم الظواهر الدينية ثم الدفاع عنها بما تيسّر من المقدمات المشهورة والمسلّمة عند أهل الدين» (1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الميزان ، ج 8 ، ص 153.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد