
الوجه الثاني: أن الفطرة الإنسانية التي فطر الله العدل الحكيم الناس عليها، تغاير الانحراف والظلم والفساد وتناكفها، فلا يدخل إليها شيء منها، ولا تقبلها ولا تنسجم معها، وهي ترفضها وتقاومها، ولا تسمح لها بالبقاء وأن تعشش ببيضها وحشائشها الضارة في النفس والمجتمع، لأن الانحراف والظلم والفساد من الأغذية الضارة للنفس والمجتمع، والفطرة تمثل الأساس الذي يقوم عليه صلاح الإنسان في ذاته وصلاح مجتمعه، فالإنسان صاحب الفطرة السليمة يغار على دينه وأمته ووطنه وشعبه، ويشعر بالعزة والكرامة ويرفض الذل والهوان مهما كانت الظروف والمسببات، لأن عزته من عزة الله جبار السماوات والأرض الواحد القهار، ولم يفوض الله جل جلاله وهو ولي المؤمنين لمؤمن أن يذل نفسه أو يقبل الذل والهوان – كما تظافرت بذلك النصوص في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة عن الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعن الأئمة الطيبين الطاهرين عليهم السلام.
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ”إن الله عز وجل فوض إلى المؤمن أموره كلها ولم يفوض إليه أن يذل نفسه، أما تسمع لقول الله عز وجل: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} فالمؤمن ينبغي أن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً يعزه الله بالإيمان والإسلام” (الوسائل ج11 . باب 13 . الحديث 2 . ص 424). وفي حديث آخر: ”إن المؤمن أعز من الجبل، عن الجبل يستقل منه بالمعاول، والمؤمن لا يستقل من دينه شيء” (نفس المصدر . الحديث 1 . ص424) والمؤمن يحب الطيبات ويكره الخبائث، ولا يمكن لمؤمن أن يقبل بالانحراف والظلم والفساد ويتعايش معه، ولا بد له من رفضه ومقاومته حتى الشهادة، وإذا قبل الإنسان شيئاً من ذلك وتعايش معه، تغيرت فطرته وفسدت وفقدت نقائها وسلامتها وطهارتها وصلاحها، ودخلها الخبث والسوء والشر بقدر ما يدخلها منه، ولم تعد الفطرة بعده هادياً للإنسان ومرشداً ودليلاً في الحياة والظلمات، وأصبحت معيقاً له وعدواً، بدلا من أن تكون عوناً له وصديقاً – كما هي في أصل التكوين والغاية والوظيفة – وتتوقف نجاة الإنسان بعد ذلك وصلاح نفسه وتحقيق سعادته، على ما يتبقى لديه من صفاء الفطرة ونقائها وطهارته وسلامتها، إن هو لجأ إليه ونجح في الاستفادة منه وتوظيفه في حياته، وإن هو فعل ذلك ونجح في استرداد صفاء فطرته ونقائها وسلامتها وطهارتها، فإنه بمقدار نجاحه يتحدد حجم ونوعية رفضه ومقاومته للانحراف والظلم والفساد.
والخلاصة: أن القبول أو الرفض للانحراف والظلم والفساد في الأرض والمقاومة أو التعايش مع ذلك، يتوقف على سلامة الفطرة ونقائها وصلاحها وجوداً وعدماً، فمن كان راغباً في النجاة والسلامة وتحصيل السعادة والعزة والكرامة في الدنيا والآخرة، فعليه أن يبلو بلاءً حسناً في مجاهدة النفس للمحافظة على سلامة ونقاء وصفاء وصلاح فطرته وصيانتها من التلوث والفساد.
قال الله تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون . فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم} (الحجرات : 7).
وقال الله تعالى: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين . فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون . منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين . من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون} (الروم : 29 – 32).
وعلى رأس أصحاب الفطرة السليمة: الأنبياء والأوصياء والصالحين من الناس، وقد عرفنا ما قام به سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء الإباء والكرامة، حيث قدم نفسه وأهل بيته وأنصاره فداء للدين وإحقاق الحق وإبطال الباطل ونصرة المستضعفين واستنقاذ حقوقهم العادلة ومكتسباتهم المشروعة.
قال الإمام الحسين عليه السلام: ”ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر” (مقتل الحسين عليه السلام . المقرم . ص 82).
ومن جهة ثانية: فإن النفس الإنسانية لديها قابلية الصعود في سلم التكامل الإنساني، ولديها قابلية الهبوط منها إلى درك البهيمية، ومما تتحصل به المراتب العليا في الكمال الإنساني: الإيمان والإخلاص، ولا يظهر صفاء الإيمان وكمال الإخلاص إلا من خلال التجربة والعمل، الذي يتميز من خلالهما المؤمن الطيب الصادق، من المنافق الخبيث الكاذب، وفي مقدمة العمل: الجهاد في سبيل الله، فمن خلال تجربة الجهاد والتضحية ينكشف الصدق من الكذب، وينكشف بقاء روابط المحبة مع أعداء الله والإنسانية أم انقطاعها، وهكذا تظهر حقيقة معدن الإنسان وصفاء إيمانه، فكلما قوي الإيمان أضحت محبة الدين والوطن والخير والعدل والصلاح والتعلق بها والتضحية من أجلها بالنفس والنفيس أشد وأقوى، ومع الإيمان والصدق والإخلاص يصعد الإنسان في سلم الكمال ومراتب القرب والزلفى من الله العلي الأعلى ذي الجلال والإكرام سبحانه وتعالى عما يصف الظالمون علواً كبيراً.
قال الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ”إن الله عز وجل ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له” فقيل: وما المؤمن الضعيف الذي لا دين له؟ قال: الذي لا ينهى عن المنكر” (الوسائل . ج 11 . الباب 1 . الحديث 13 . ص 397).
الإمام الحسين عليه السلام ميزان الشرع والفطرة: ولأن الإمام الحسين عليه السلام يمثل الصراط المستقيم والميزان القويم للدين والعقل والفطرة، فإننا وجدنا عند الإمام الحسين عليه السلام إصراراً وتصميماً وإرادة لا تقهر على الجهاد من أجل التغيير والإصلاح في الأمة الإسلامية مهما كان الثمن وحجم التضحيات التي تنتظره في سبيل ذلك، ولم يبحث عليه السلام لنفسه عن الأعذار، ولم تضعفه الظنون والهواجس ولا الحسابات المادية الضيقة، ولم تثنه كل المؤشرات الحتمية الدالة على قتله وجميع أصحابه، لأن الشهادة هي أمنية كل مؤمن تقي وقربانه الذي يتقرب به إلى الله المحبوب رب العباد الغفور الرحيم، ويختصر الطريق إليه سبحانه، ومن لا يجد ذلك في نفسه، فعليه بالمراجعة والتعلم، لمعالجة الخلل وسد النقص.
ولم تثنه عليه السلام كل الجهود التي بذلها المتخوفون عليه والمثبطين من أصحاب المصالح وضعفاء النفوس، المحجوبون بحجاب الماديات والشهوات والغفلة عن جمال المحبوب والكمالات الإنسانية والآخرة، أمثال مروان بن الحكم الذي نصح الإمام الحسين عليه السلام بالبيعة ليزيد، لأن فيها حسب رأيه خير الدين والدنيا، فاسترجع الإمام الحسين عليه السلام وقال: ”على الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد” وقال له عمر الأطرف: حدثني أبو محمد الحسن عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام: أنك مقتول، فلو بايعت لكان خيراً لك، فقال عليه السلام: ”حدثني أبي أن رسول الله” صلى الله عليه وآله وسلم ”أخبره بقتله وقتلي، وأن تربته تكون بالقرب من تربتي، أتظن أنك علمت ما لم أعلمه؟ وإني لا أعطي الدنية من نفسي أبداً، ولتلقين فاطمة أباها شاكية مما لقيت ذريتها من أمته، ولا يدخل الجنة من آذاها في ذريتها.
وقال عليه السلام في خطبته قبل أن يخرج من مكة: ”الحمد لله وما شاء الله ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلاة بين النواويس وكربلا، فيملأن مني أكراشاً جوفا واجربة سغبًا، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس، تقر بهم عينه، وينجز بهم وعده، ألا ومن كان فينا باذلاً مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى ”وذلك لأن الجهاد هو حكم العقل والدين والفطرة الطاهرة السليمة للإنسان، وأن القبول بالانحراف والظلم والفساد يعني فساد إنسانية الإنسان وفساد الدين والمجتمعات، والإمام الحسين عليه السلام، هو الصراط المستقيم والميزان القويم للدين والعقل والفطرة، لهذا أصر وواصل الطريق حتى الشهادة، وهذا هو سبيل المؤمنين دائماً في كل زمان ومكان، وهو رفض الانحراف والظلم والفساد والمقاومة وإن اقتضى ذلك سلوك الطرق الخطيرة حتى الشهادة، وليس في وسع المؤمن أن يقبل بالانحراف والظلم والفساد ويبررها ويثبط الناس والمؤمنين عن المقاومة والتضحية في سبيل القضاء عليها، فيفسد بذلك إنسانيته ودينه ومجتمعه، وهو مخالف قطعاً للدين والعقل والفطرة، فهي جميعها تدعو إلى رفض الانحراف والظلم والفساد ومقاومتها حتى الشهادة، وليس من شأن الحكمة والتكتيك والدبلوماسية الصحيحة الدعوة لخلاف ذلك كما ذكر وسيذكر لمن كان له قلب وهو شهيد.
عن محمد بن عرفة قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: ”لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم” (الوسائل . ج 11 . الباب 1 . الحديث 4 . ص 394).
وروي عن الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ”لا تزال أمتي بخير، ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء” (نفس المصدر . الحديث 18 . ص 398).
خروج الإمام الحسين عليه السلام من مكة المكرمة: ولقد خرج الإمام الحسين عليه السلام من مكة المكرمة في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية الذي يستعد فيه الحجاج للخروج من مكة إلى منى لأداء مناسك الحج، وصحب معه النساء والأطفال...
طريق الجهاد (4)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
يوم الخروج
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ميتافيزيقا العرفان السياسي (6)
محمود حيدر
أكبر دراسة من نوعها تختبر استراتيجية الترطيب لعلاج حصى الكلى
عدنان الحاجي
معنى (وسوس) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
أهمّ عناصر النصر (3)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
دور الجهاد في تربية الإنسان
الشهيد مرتضى مطهري
حق الجهاد
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
معركة أحد في 15 شوال عام 3 للهجرة
الشيخ جعفر السبحاني
ممتنع الوجود
الشيخ محمد جواد مغنية
الحمزة بن عبد المطّلب: ليث عرين النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
طريق الجهاد (4)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (12)
انطفاء على إيقاع الغياب
رجاء البوعلي تدشّن كتابها حول الرّفاعي وفلسفته
(أثر لقصيدة عابرة) أمسية شعريّة لنادي صوت المجاز الأدبيّ
المؤمن دائماً في حالة مواجهة
يوم الخروج
طريق الجهاد (3)
ميتافيزيقا العرفان السياسي (6)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (11)