مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الأستاذ عبد الوهاب حسين
عن الكاتب :
من مواليد ١٩٥٤م، مفكر إسلامي، ترأس جمعية التوعية الاسلامية، وساهم في كتابة النظام الداخلي لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية والمجلس الإسلامي العلمائي في البحرين، ثم أسس تيار الوفاء الإسلامي.rnله عدة مؤلفات ومقالات منشورة، منها:rn- الإنسان رؤية قرآنيةrn- في رحاب أهل البيتrn- الدولة والحكومةrn- تفسير سورة الضحى

طريق الجهاد (1)

معنى الجهاد

 

الجهاد مأخوذ من الجهد وهو الطاقة والمشقة، فيقال: جاهد يجاهد جهاداً ومجاهدة: إذا استفرغ وسعه وبذل طاقته وتحمل المشاق في مقاتلة العدو ومدافعته، سواء كان العدو من المشركين أو الباغين أو الجبابرة من الحكام المستبدين الذين قفزوا بوقاحة إلى سدة الحكم عن طريق الانقلاب أو الميراث بدون إرادة الشعوب واختيارها، وتركزت اهتماماتهم على جمع الثروات والحصول على الامتيازات بغير وجه حق، وحرمان الشعوب من حقوقها العادلة ومكتسباتها المشروعة، وإغراقها في الذل والهوان والكبت والتخلف، وتكريس طاقات الدولة وإمكانياتها من أجل قمع الشعوب لحماية كرسي الحكم من السقوط، ( فإن جهاد هؤلاء ”الحكام الجبابرة المستبدين” فرض على جميع الأمة، على أن يكون بقيادة الإمام الجامع للشرائط أو من ينوب عنه) (الجهاد تربية إسلامية . محمد بحر العلوم . ص 19).

 

ويطلق الجهاد في الأكثر على المدافعة بالقتال، لكن التوسع في معنى العدو ممكن أن يشمل كل ما يتوقع منه الشر، كالشيطان الذي يضل الإنسان، والنفس الأمارة بالسوء.. وغير ذلك، وقد سمى الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مخالفة النفس بالجهاد الأكبر، ومن الممكن التوسع في معنى الجهاد حتى يشمل كل عملية إصلاح في أي جهاز أو مؤسسة فاسدة، وكل فعالية خلاقة في بناء إنسان صالح ومجتمع صالح يقوم على الحق والعدل، ويضمن حقوق الإنسان، ويصون مصالح الشعوب ومكتسباتها المشروعة، من الضياع ويدافع عنها.

 

وبالتالي فإن الجهاد لا ينحصر في لون واحد وشكل معين وهو القتال أو غيره، وإنما يتعدد ويتشكل حسب الحاجة إلى الجهد البناء والعمل الهادف لإصلاح الفرد والمجتمع وبمختلف الوسائل والأساليب المشروعة، مثل: المسيرات والتظاهرات والاعتصامات والتجمعات الجماهيرية والإضراب عن العمل والبيانات والعرائض والمنشورات والحوارات والمفاوضات الداخلية والخارجية والخطب والتأليف والعصيان المدني والقتال في وقته ومكانه، وكل وسائل الاحتجاج والتوضيح والمقاومة المشروعة.

 

عن فضيل بن عياض قال: سألت أبا عبد الله (الإمام الحسين) عليه السلام عن الجهاد: أسنة هو أم فريضة؟ فقال عليه السلام: الجهاد على أربعة أوجه: فجهادان فرض، وجهاد سنة لا يقوم إلا مع فرض، وجهاد سنة. فأما أحد الفرضين: فمجاهدة الرجل نفسه عن معاصي الله عز وجل وهو من أعظم الجهاد. ومجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض.

 

وأما الجهاد الذي هو سنة لا يقوم إلا مع فرض: فإن مجاهدة العدو فرض على جميع الأمة، لو تركوا الجهاد لأتاهم العذاب، وهذا هو من عذاب الأمة، وهو سنة على الإمام وحده أن يأتي العدو مع الأمة فيجاهدهم.

 

وأما الجهاد الذي هو سنّة: فكل سنة أقامها الرجل، وجاهد في إقامتها وبلوغها وإحيائها، فالعمل والسعي فيها من أفضل الأعمال، لأنها إحياء سنة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ”من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجرهم شيئاً” (تحف العقول. ص 175. الوسائل. ج11. الباب 5. الحديث 1. ص 16).

 

إن الجهاد بإجماع المسلمين واجب وضرورة من ضروريات الدين، كالصلاة والصيام والحج، ”وهو حجر الزاوية من بناء هيكل الإسلام وعموده الذي قامت عليه سرادقه، واتسعت مناطقه، وامتدت طرائقه، ولولا الجهاد لما كان الإسلام رحمة للعالمين، وبركة على الخلق أجمعين” (أصل الشيعة وأصولها . ص 162)، من تركه ألبسه الله عز وجل أثواب الذل والهوان، وشمله البلاء والعناء، وحيل بينه وبين الخير والزلفى ومنازل القرب من العلي الأعلى، وبدون الجهاد تتحول حركة الأمة أو الشعوب إلى ظاهرة كلامية وهمية لا خير فيها ولا بركة حولها تحفها، ولا فاعلية ولا إنتاج ولا تقدم ولا ازدهار، ويعم الأمة والشعوب التي تتخلى عن الجهاد البلاء والضعف والتخلف، ويهيمن عليها الأعداء والمستبدين، وتكون لقمة سائغة بيد المستكبرين، كما هو حالنا في العالم الإسلامي في الوقت الراهن.

 

وكما قال الإمام محمد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله تعالى برحمته الواسعة واسكنه الفسيح والعالي من جنته): ”ولو أردنا أن نطلق عنان البيان للقلم في تصوير ما كان عليه الجهاد بالأمس عند المسلمين وما صار ”إليه الجهاد” اليوم، لتفجرت العيون دمًا، ولتمزقت القلوب أسفاً وندماً، ولتسابقت العبرات والعبارات والكلوم ”الجروح” والكلمات، ولكن.. أتراك فطنت لما حبس قلمي، ولوى عناني، وأجج لوعتي، وأهاج أحزاني، وسلبني حتى حرية القول ونفثة المصدور، وبثة المجمور …” (أصل الشيعة وأصولها . ص 163). فهل من متّعظ؟

 

الحركة الجهادية للإمام الحسين عليه السلام  

 

وإذا تأمّلنا في الحركة الجهادية للإمام الحسين عليه السلام، وفي البيانات التي صدرت عنه عليه السلام، منذ الساعة الأولى التي تلقى فيها الخبر رسمياً بهلاك معاوية بن أبي سفيان وطلب البيعة لابنه يزيد من قبل الوليد بن عتبة والي يزيد على المدينة، في شهر رجب عام (60) للهجرة الشريفة، وحتى الساعة الأخيرة التي استشهد فيها عليه السلام في العاشر من محرم عام (61)، أي بعد ستة شهور تقريباً من تولي يزيد الخزي والعار الخلافة على رقاب المسلمين، وهي نفس الفترة التي يمارس فيها الإمام القائم عليه السلام عملية التحضير الأخيرة لتحرير العالم، فيعلن عن ظهوره في المدينة المنورة على ساكنيها التحية والسلام في شهر رجب، ويعلن عن بدء حركة تحرير العالم في العاشر من المحرم في مكة المكرمة عند بيت الله الحرام، ومن شعاراته عليه السلام ”يا لثارات الحسين” ومن دلالات هذه الشعار العظيم: تأكيد مسؤولية الأنظمة الفاسدة في العالم الإسلامي عن تردي الأوضاع في العالم الإسلامي وتخلفه وسيطرة قوي الاستكبار العالمي عليه، وأن عملية التحرير تبدأ بتحرير العالم الإسلامي من قبضتهم الظالمة الضالة.

 

نعم إننا نجد بأن الإمام الحسين عليه السلام، قد أوضح نقاطًا عديدة حول حركته الجهادية من خلال بياناته في الفترة الزمنية المذكورة .. منها النقاط التالية:

 

النقطة الأولى – المنطلقات في حركته الجهادية: لقد أوضح الإمام الحسين عليه السلام، أن منطلقه في الجهاد هو مرضاة الله تعالى رب العالمين والإصلاح في الناس.

 

قال الله تعالى: {قد كانت لكم أية في فأتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة} (آل عمران : 13). وقال الله تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً} (النساء : 76).

 

هاتان الآيتان الشريفتان المباركتان توضحان أن القتال والجهاد إما أن يكون في سبيل الله أو في سبيل الطاغوت، وأن الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله جل جلاله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، والقتال في سبيل الله هو القتال في سبيل الحق والعدل والخير والحرية وسعادة الإنسان وتقدم المجتمعات الإنسانية وتطورها، وليس من أجل إشباع النوازع الشخصية وتحقيق المصالح الخاصة، والقتال في سبيل الطاغوت هو القتال في سبيل الباطل والظلم والشر والكبت والاستبداد والشقاء وتخلف المجتمعات البشرية وانحطاطها، وهو قتال ينطلق من النوازع الشخصية التي ترتبط بالشهوات والعقد النفسية والحمية الجاهلية، ومن أجل تحقيق المصالح الخاصة وتحصيل الامتيازات والمكتسبات الذاتية، على حساب المصالح العامة والمكتسبات التاريخية الشرعية للأمم والشعوب.

 

وقد أوضح الإمام الحسين عليه السلام بأن حركته الجهادية هي حركة في سبيل الله رب العباد وتحصيل مرضاته سبحانه وتعالى ومن أجل صلاح الإنسان والمجتمعات البشرية.

 

قال عليه السلام في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية (رضي الله تعالى عنه): ”وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله وسلم، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر”.

 

في هذه الوصية العظيمة الرائعة نفى عليه السلام أن تكون حركته وبياناته فقاعات كلامية وكذبًا أو من أجل الاستهلاك الإعلامي ونحوه ”كما يفهم من لفظ: أشر” أو تكون نابعة من الذات من أجل أن تتضخم وتتبجح وتزهو، أو من أجل الطغيان والوصول إلى المناصب العليا والحصول على الامتيزات والمكاسب الخاصة بغير وجه حق ”كما يفهم من لفظ: بطر” وأكد عليه السلام على أن حركته وبياناته جدية وفي سبيل الله عز وجل ومن أجل إصلاح الأمة والشعوب.

 

النقطة الثانية – المنهج الذي اتبعه في حركته الجهادية: لقد أوضح الإمام الحسين عليه السلام المنهج الذي يتبعه في حركته الجهادية، وأنه يسير في ذلك بسيرة جده الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وبسيرة أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام.

 

قوله عليه السلام: ”وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب”.

 

وفي الحقيقية وواقع الحال فإن سيرة الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرة علي بن أبي طالب عليه السلام، هي سيرة جميع الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، فالجهاد سبيل كافة الأنبياء والأوصياء والصالحين، به تصان الشرائع والقوانين وتأمن الأديان والنفوس، وتسترد الحقوق العادلة والمكتسبات المشروعة، ويبوء الأعداء بالخسران والفضيحة، وينبسط الطريق أمام الحق والعدل والخير والسلام، وتزدهر الأنشطة والأعمال وتعمر الأرض وتتقدم الأمم والشعوب وتتطور.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد