قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مهدي الآصفي
عن الكاتب :
عالم ومفكر اسلامي كبير، واستاذ في الحوزة العلمية، توفي(٤/٦/٢٠١٥)

أهمّ عناصر النصر (1)

العنصر الأول: القوّة

 

وهي التي تملأ عيون الناس قبل كل شيء، وتوجّه أذهانهم وأفكارهم وسلوكهم، فإذا وثقنا، وآمنا بمعية الله تعالى للقلة المؤمنة، فلن تعوزها بعد ذلك قوة. فإن ما في السماوات والأرض جند لله تعالى، يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه، ولا يشذ عن ذلك خلق في السماء أو الأرض: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)[1]. (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)[2]. (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ)[3].

 

فالبحار جند لله، تضطرب بأمر الله، وتسكن بأمر الله، فإذا جاء أمر الله تعالى، فلا تذر أحداً من الظالمين، واستمع إليه تعالى يحكي لنا قصة فرعون وجنده: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ 39 فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)[4]. (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)[5].

 

ولله جند من أمطار السماء وينابيع الأرض، فإذا أذِن الله لها أمطرت، وتفجرت، وتموجت الأرض بها، وأغرقت من كان فيها من الظالمين. فاستمع إليه تعالى في قصة نوح: (كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٌ وَٱزۡدُجِرَ 9 فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّی مَغۡلُوبٌ فَٱنتَصِرۡ 10 فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنۡهَمِرٍ 11 وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونًا فَٱلۡتَقَی ٱلۡمَآءُ عَلَیٰٓ أَمۡرٍ قَدۡ قُدِرَ 12 وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَیٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٍ وَدُسُرٍ 13 تَجۡرِی بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ 14 وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةً فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٍ)[6].

 

ولله جنود من الريح، لا تُبقي ولا تذر، إذا أَذِن لها الله تعالى: (كَذَّبَتۡ عَادٌ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِی وَنُذُرِ 18 إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحًا صَرۡصَرًا فِی يَوۡمِ نَحۡسٍ مُّسۡتَمِرٍّ 19 تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ مُّنقَعِرٍ 20 فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِی وَنُذُرِ)[7].

 

وإن من جند الله الصيحة، وما أدراك ما الصيحة! أرسلها الله على ثمود، فجعلهم كهشيم المحتظر: (إِنّٰا أَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وٰاحِدَةً فَكٰانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)[8].

 

وأرسلها الله تعالى على قوم شعيب، بعد أن أنجى شعيباً والذين آمنوا معه: (وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِی دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ 94 كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاۡ فِيهَآ ۗ أَلاَ بُعۡدًا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ)[9].

 

ولله جنود من الحجارة، تمطرها السماء، إذا أذِن الله تعالى لها، أهلك بها قوم لوط: (فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ 82 مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِیَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ)[10].

 

ولله تعالى جنود من الطير، يرسلها على الظالمين متى شاء: (أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ 1 أَ لَمۡ يَجۡعَلۡ كَيۡدَهُمۡ فِی تَضۡلِيلٍ 2 وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ 3 تَرۡمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ 4 فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفٍ مَّأۡكُولِۭ)[11].

 

ولله تعالى جنود من القمل، والضفادع، والجراد، والطوفان، يرسلها متى يشاء على الظالمين: (فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمُ الطُّوفٰانَ وَالْجَرٰادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفٰادِعَ وَالدَّمَ آيٰاتٍ)[12].

 

ولله جند من الصاعقة يرسلها متى شاء، وقد أرسلها على ثمود: (فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّٰاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ)[13].

 

ولله جنود من الملائكة، لا نراها، تدخل مع الفئة القليلة في المعركة، وتدافع عنها، وتحفظها بأمر الله، كما أمر الله الملائكة في معركة بدر أن ينزلوا ساحة القتال إلى جانب المسلمين: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاٰئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنٰاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنٰانٍ)[14].

 

وما أروع هذا الإمداد الإلهي في المعركة! يرسل الملائكة مع المؤمنين، ثم ينبئهم أنه معهم، فتتلاحم هذه المعية المزدوجة في مشهد إيماني رائع، في ساحة القتال؛ معية الملائكة للمؤمنين، ومعية الله تعالى للملائكة.

 

وكيف تتكافأ أطراف هذه المعركة، والله والملائكة، وجند الله من الأرض والسماء مع الفئة القليلة، وليس مع الفئة الكثيرة إلا نفر ضعاف، وحفنة من مال وحفنة من الأسلحة؟!

 

وهذه هي القوة التي يحسب الناس لها كل حساب في المعادلات السياسية. وهل يتصور الناس قوة أعظم من هذه القوة، وجنداً أقوى من جند الله، وسلطاناً أقوى من سلطان الله؟!

 

ومع ذلك؛ فإننا نُسقط في كثير من الأحيان حساب هذه القوة الكبرى في الكون من المعادلات السياسية، عندما نفكر في السياسة، ونحلل الأحداث، ونتنبأ بالمستقبل، ونحسب لمستقبل الدعوة حسابها.

 

العنصر الثاني: المال

 

مهما تكن الفئة الكثيرة غنيّة، تملك ناصية الذهب والفضة، فإن الفئة القليلة تتمتع بتأييد الله تعالى: (وَلِلّٰهِ خَزٰائِنُ السَّمٰاوٰاتِ وَالْأَرْضِ وَلٰكِنَّ الْمُنٰافِقِينَ لاٰ يَفْقَهُونَ)[15].

 

ولقد كان المنافقون يتصورون أنهم لو حاربوا الدعاة في أرزاقهم، وقطعوا عنهم المال، تنضب الدعوة في نفوسهم، وتنقطع علاقتهم بالدعوة، وذلك في إطار تصوراتهم المادية الغبية الضحلة[16]: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاٰ تُنْفِقُوا عَلىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّٰهِ حَتّٰى يَنْفَضُّوا)[17].

 

فيردّ الله تعالى عليهم: (وَلِلّٰهِ خَزٰائِنُ السَّمٰاوٰاتِ وَالْأَرْضِ وَلٰكِنَّ الْمُنٰافِقِينَ لاٰ يَفْقَهُونَ)[18].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الفتح: 4.

[2] الفتح: 7.

[3] المدّثر: 31.

[4] القصص: 39 – 40.

[5] طه: 78.

[6] القمر: 9 – 15.

[7] القمر: 18 – 21.

[8] القمر: 31.

[9] هود: 94 – 95.

[10] هود: 82 – 83.

[11] الفيل.

[12] الأعراف: 133.

[13] الذاريات: 44.

[14] الأنفال: 12.

[15] المنافقون: 7.

[16] والتاريخ يعيد نفسه، فكما حوصر المسلمون اقتصاديا آنذاك، فإن الاستكبار العالمي ومن يسيطر على الاقتصاد في العالم وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، يقومون بمحاصرة كل دولة مناهضة لهم وتخالف سياستهم وتقاوم ظلمهم واستكبارهم اقتصاديا، ويفرضون عليها عقوبات اقتصادية لتجويع شعوبها وإجبارهم على الخضوع لهيمنة هذه الدول الاستكبارية، إن لم يستطيعوا غزوها عسكريا، فالجمهورية الإسلامية الإيرانية محاصرة اقتصاديا من حين انتصار الثورة الإسلامية إلى الآن، وفي كل مرة يتم تشديد الحصار وفرض العقوبات عليها، ومع ذلك ما زالت قائمة وقوية، وأصبحت دولة إقليمية وذات شأن في المنطقة.

[17] المنافقون: 7.

[18] المنافقون: 7.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد