
وحدة الفيزياء والميتافيزياء
إذا كانت الفيزياء الحديثة أثبتت بالعلم التجريبي المادي البعد الروحاني للوجود المادي فقد تيقَّن هذا البعد بما يسميه العلم التجريبي الروحي. من هنا كان محمود محمد طه على يقين من أن الفيزيقا هي وسيلة إلى الميتافيزيقا، وأن ليس ثمة انفصالًا بينهما كما فعلت الفلسفة الحديثة تأسِّياً بما أسست له ميتافيزيقا الإغريق قبل خمسة وعشرين قرناً خلت.
في سياق تسويغه للعلاقة الموثوقة بين الطبيعي والمابعد طبيعي يستدل طه بما قدمه العلم الحديث من إنجازات. ثم يورد ما ذهب إليه أينشتاين بقوله أن الشعور الديني الذي يستشعره الباحث في الكون، هو أقوى حافز على البحث العلمي وينقل عنه إعجابه بتلك الروح السامية التي لا حدَّ لها، والتي تتراءى في التفاصيل الصغيرة القليلة التي تستطيع عقولنا الضعيفة العاجزة إدراكها، وهو ما يعزِّز إيماني العميق بوجود قدرة عاقلة مهيمنة تتراءى حيثما نظرنا في هذا الكون المعجز للأفهام والذي يؤلف عندي معنى الله… أما خلاصة ما يستنتجه طه من كلام اينشتاين فهو التأكيد على أن العلم التجريبي يُظهر لنا وحدة العالم المحسوس، ثم يذهب أبعد من ذلك ليبيِّن أن العالم المحسوس إذا أُحسِنَ استقصاؤه يسوقنا إلى عتبة ما وراء المحسوس ويتركنا هناك وقوفاً في خشوع وإجلال أمام الذي يقع وراء عالم المادة. (1)
ثم إنه في كتابه الثاني من “أسئلة وأجوبة” يستقرئ معنى العقل والروح كمفهومين قرآنيين يختلفان اختلافاً جوهرياً عما جرت مقاربتهما لدى الاتجاهات الفلسفية المختلفة. فقد اعتبر العقل أكرم خلق الله على الله، وأنه الوسيلة إليه، وبه يكون الترقِّي في مراقي القرب وذلك ترقٍ سرمدي لا يقر له قرار، ولا يتناهى له مدى (2). ثم يوضح الدلالات والاستعمالات القرآنية لمعنى العقل فيرى أن القرآن نزل من أجل ترويض هذا العقل وتأديبه وتسديده إلى معارج القرب، وإنما من أجل ذلك فُرضت الفرائض، وعُزِمت العزائم، ونهضت التكاليف (3).
أما بخصوص فهمه للروح فقد آثَرَ جلاء معناها في حقل علاقتها بالعقل والجسد، رائياً بأن كليهما من الروح، بل أن العقل روح والجسد روح، وأما الاختلاف بين العقل والجسد فهو اختلاف مقدار لا اختلاف نوع، وإنما غرض العبادة، وغرض التكاليف التي احتشد بها القرآن أن تستخرج اللطيف من الكثيف حتى يصير الجسد في لطافة العقل، وبذلك يحيا الحياة الكاملة الخالدة، ذلك بأن القرآن بهذه المثابة، وسيط بين الكثيف (الجسد) واللطيف (العقل)، ناهيك عن أن القرآن بنفسه أيضاً روحٌ (4).
لقد أدرك طه أن من أهم مقتضيات التأسيس لمشروع فكري إسلامي مفارق هو الابتداء من دائرة الميتافيزيقا. أي من الدائرة التي يتوقف على إدراكها فهم الأنظمة المعرفية التي يتشكل منها النظام التدبيري القرآني وفي مقدمها إدراك الصلة بين العقل الإستدلالي وكشوفات القلب العرفاني. ومع أن هذه المعضلة لا تني تُستنبتُ من دون توقف في مسارات الفكر، فإن كُثُراً من العرفاء سلكوا درباً مغايراً فلم يجدوا تناقضاً بين العقل والنقل والكشف كسبلٍ للتعرُّف على الله والعالم. وإلى هذا راحوا يوجبون التمييز وبيان الفروق في عمل كلٍّ منهما. وقد نجد في الحكاية المشهورة عن الخلوة التي انعقدت بين الشيخ الرئيس ابن سينا والعارف بالله أبو سعيد أبو الخير ما يُلمِحُ إلى أصل المُشكِل. أي إلى إمكان التواصل بين العقل الفلسفي والقلب العرفاني من دون أن ينفيَ أحدُهما الآخر..
تقول الحكاية إن ابن سينا سُئِلَ لمّا انقضت خلوته مع أبي سعيد: كيف وجدت الشيخَ.. فأجاب: كل ما أعلَمُه هو يراه. ولمَّا سُئِل الأخير عما وجده من الشيخ الرئيس قال: كل ما أراه يعلمُه. تشير إجابتا الفيلسوف والعارف – وكلّ من طَرَفه – إلى وحدة بين إلهامات القلب العرفاني، واستدلالات العقل البرهاني. وإن كان تحقّق هذه الوحدة حاصلاً من منهجين مختلفين. نظير هذه الحكاية، وإن بسياقات أخرى متصلة بالمنهج، ما حصل في مبتدأ القرن الثالث عشر الميلادي، عندما طَلَب القديس توما الأكويني إلى أساتذة اللاّهوت ألاَّ يبرهنوا على أصلٍ إيمانيٍ بالبرهان المنطقي. ذلك لأن الإيمان –برأيه- لا يرتكز على المنطق بل على كلمة الله.
وعلى التوازي نبَّه أساتذة الفلسفة إلى ضرورة ألاَّ يستدلَّوا على حقيقة فلسفية باللُّجوء إلى كلمة الله، لأن الفلسفة لا ترتكز على الوحي بل على العقل. ورغم أن الأكويني كان أرسطياً متشدِّداً، فقد حرِصَ على التمييز بين الفلسفة والوحي؛ وذلك من قبيل حفظ موقعية كل منهما في إنتاج المعرفة الصحيحة. فإذا كان اللاَّهوت هو العلم بالأشياء عن طريق تلقِّيها من الوحي الإلهي، فالفلسفةَ هي المعرفة بالأشياء التي تفيض من مبادئ العقل الطبيعي. ولأن المصدر المشترك للفلسفة واللاَّهوت هو الله خالق العقل والوحي، فإن هذين العلمين يسيران في النهاية إلى التوافق (5).
المعادلة نفسها تسري أيضاً على جدليات المواصلة بين العرفان والسياسة، حيث تتخذ العلاقة بينهما وضعية الوصل الامتدادي على الرغم من الاختلاف المنهجي في نظرية المعرفة لدى كل منهما. ووَفْقاً لمقاصد الأطروحة التي نحن بصددها، فإن السياسة – وبفضل الوضعية الامتدادية التي مرَّ ذكرها- تحتل مرتبة عليا في المنظومة العرفانية، وفي ميادينها الفسيحة يتبوَّأ العارفُ مقام التدبير، وصولاً إلى المقام الأسمى في معراجه الروحاني.
الطريقة المحمدية كمرجعية متعالية
المسار التأصيلي الذي اتخذه محمود محمد طه دربة له لأجل تبيين المرتكزات التأسيسية لمشروعه الإحيائي، سيدعوه إلى إجراء تفكيك جوهري لحقبة الإسلام الأولى، ليبيِّن سلسلة من المعاثر ستُفضي في أحقاب لاحقة إلى نشوء التصوف. ولنا في ما ذكره في كرَّاسته “طريق محمد” مصداقاً لهذا التبيين. (6) فقد رأى أن الإسلام عندما انتشر وساد حياة الناس، كان النبي هو إمامهم ووسيلتهم إلى الله، ولم تكن الدنيا أكبر همهم.. بل كانت الدنيا عندهم مطية الآخرة كما علمهم النبي، ثم لمَّا لحق النبي بربه سار الأمر على ذلك خلافة الشيخين وصدرا من خلافة عثمان، وفي أخريات خلافة عثمان بدأ حب الدنيا يشغل قلوب الناس، حتى إذا جاء عليٌّ عقب مقتل عثمان، وأراد أن يرد الأمر إلى ما كان عليه، دفع حب الدنيا الناس إلى خذلانه ونصرة معاوية عليه، وأصبح أمر الدنيا بذلك عالياً على أمر الدين، وصارت الخلافة على يدي معاوية ملكاً عضوضاً، كما أخبر بذلك النبي، ثم عهد معاوية بأمر المؤمنين إلى ابنه يزيد، وجعل هذا الأمر وراثة في عقبه من بعده، ولقد قُتـِل علي بن أبي طالب في زمن معاوية، كما قتـل الحسن بن علي، وعلى يَدَي رجال يزيد بن معاوية، قُتل الحسين بن علي، مع عدد كبير من أبنائه.
ثم لم يزل أمر الدنيا عالياً، وأمر الدين منحطا بين الناس.. وكلما قام لنصرته قائم من أبناء عليّ خَذَلَه الناسُ ونصروا عليه أعداءه من الأمويين ثم من العباسيين، حتى استيأس أنصار الدين من صلاح أمر الناس، ففروا بدينهم إلى المغاور، والكهوف، والفلوات يقيمونه في أنفسهم، وينشرونه بين الراغبين فيه ممن حولهم، من غير أن يتعرضوا إلى منازعة السلطة الزمنية، فنشأ بذلك التصوف الإسلامي، وظهر مشايخه ممن أخذوا أنفسهم بتقليد سيرة النبي، من قبل أن يبعث، حين كان يتحنث في غار حراء، وبعد أن بعث.. فظهرت معارف الدين وأسراره، وأنواره، عليهـم وعلى مريديهم، وكانوا هم حفظة الدين وعلماءه ومرشدي الناس إليه، واضطلعوا بدورهم العظيم هذا زمنًا طويلًا، مما لا تزال بقاياه، في التربية والإرشاد، ظاهرة إلى يوم الناس هذا، في بعض تلك البقع المباركة، التي يحفظ فيها القرآن الكريم، ويسلك فيها المريدون.. (7)
على هذا التأصيل الدقيق لحقبة الإسلام الأولى، جرى إثبات علاقة سببية بين السلطة الراعية للانحراف عن الوحي المحمدي ونشوء التصوف. وما ذلك إلا للدلالة على أن ظاهرة التصوف والزهد في الإسلام هي محاولة إحيائية للحقيقة المحمدية بأبعادها الوحيانية وآفاقها التاريخية. فالتصوف الإسلامي – كما يقول طه- هو في حقيقته تقلّيد السيرة النبوية.. فالنبي في خاصة عمله قبل البعث، وبعد البعث، هو عمدة أهل التصوف، وإن كان اسم الصوفية لم يظهر إلا مؤخراً.. فالصوفية، في حقيقة نشأتهم هم أنصار السنة المُحمّدية، وهذا ما كان من أمر أصحاب الدين ـــ أصحاب علي بن أبي طالب وأبنائه من بعده.. وأما ما كان من أصحاب الدنيا ـــ أصحاب معاوية ـــ الذين بدأ عهدهم بانتصار معاوية، وهزيمة علي، فإنهم أخذوا ينظمون دنياهم وفق الشريعة الإسلامية، حتى إذا اتسعت وزاد إقبالهم عليها وتشعبت حاجاتهم فيها، نشأ الفقه الإسلامي، وأخذ يستنبط ويقيس ويجتهد، حتى أسرف على الناس في أخريات الأيام وبعد بهم عن المعين واهتم بالقشور وفرط في اللب فأصبح صورًا تحكي الدين بلا دين وجاء الفقهاء الذين يعيشون للدنيا ويأكلونها باسم الدين (8)..
في هذا الموضع الانعطافي من تاريخ الإسلام، سيكون لمحمود محمد طه فهمٌ خارجٌ عن مألوف ما اعتكف عليه جمعٌ غفير من العلماء والمحققِّين المسلمين. لقد رأى أن مفارقة الدولة للدين التي بدأت بانتصار معاوية أحدثت نقلة جوهرية تطورت الحياة فيها خارج قبضة الدين الذي مثلته الفروع آنذاك. وبتلك النقلة تحولت مدنية الإسلام الروحية إلى حضارة مادية على أيدي الأمويين والعباسيين. وفقَ هذا المسار ستنكفئ الخلافة الدينية لصالح ملك عضوض هو أشبه بنظام حكم علماني، سيكون من أهم الأسباب التاريخية وراء تشكل هيكل الحضارة المادية الراهنة. (9)
تلقاء هذا الفهم المفارق للحظة الانزياح عن طريق الوحي المحمدي، لم يدعُ محمود محمد طه إلى اعتزال الحياة، أو التبخيس من قدرها، والهرب إلى المغارات والكهوف. وإنما نظَّر الى بعث إسلامي، يستهدي بالعقل، مع ضرورة ألا ينحجب العقل عن الحقائق المركوزة وراء الظواهر. وتلك – كما يرى باحثون في مشروعه الفكري- عودة جديدة لـ”العرفان” ولكن على هيئة تتمفصل في بعض مناحيها مع أفكار “لاهوت التحرير”. غير أنه سعى إلى النأي بالفكرة الإسلامية من الوقوع في براثن جمود تديُّن ما قبل الحداثة. مع ملاحظة أن أفكاره تمد جذورها وفروعها، أبعد بما لا يقاس، من الفكرة العلمانية الغربية في كل تخلقاتها، بما في ذلك آخر صيغها المتمثلة في أفكار “ما بعد الحداثة”. (10)
وهكذا فإن هدف العرفان عنده هو تعريف الدين بشكل أعمق من ذي قبل، وفهمه من ثم على نحو أكثر ديناميكية. ويعني ذلك، ضمن ما يعني، استخدام الطاقات المخبوءة، المودعة في البنية البشرية، لربط الواقع بالماوراء، بأوثق الروابط. وما من شك، أن طه قد اعتمد في تطوير منهجه، على الفكر الصوفي. ثم ليذهب أبعد بكثير مما ذهب إليه المتصوفة بتأكيده على دور الدولة بصيغتها العادلة (11).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – محمود محمد طه- الإسلام- منشورات الحزب الجمهوري- ط 2- الخرطوم 1968- ص 10.
2 – أنظر كتاب: “أسئلة وأجوبة”- مصدر سبق ذكره- ص 42.
3 – “أسئلة وأجوبة” – المصدر نفسه – ص 42.
4 – “أسئلة وأجوبة” – المصدر نفسه – الصفحة نفسها.
5 – إتيان جلسون- وحدة التجربة الفلسفية- ترجمة: طارق عسيلي- المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية- بيروت – ص 63.
6 – راجع محمود محمد طه- طريق محمد- الطبعة الثامنة- الخرطوم – ربيع الثاني 1395- أبريل 1975.
7 – طريق محمد- مصدر سبق ذكره- ص 38.
8 – طريق محمد – المصدر نفسه- ص 39.
9 – نحو مشروع مستقبلي للإسلام- مصدر سابق- ص 60.
10 – محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام – مدخل إلى حياته وفكره – دار رؤية للنشر والتوزيع – القاهرة – ط 1- 2012- ص 58.
11 – نحو مشروعه مستقبلي للإسلام – المدخل – مصدر سبق ذكره – ص 61.
قد يكون التوحد أثرًا جانبيًّا لتطور الذكاء عند البشر
عدنان الحاجي
معنى (وسوس) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ميتافيزيقا العرفان السياسي (5)
محمود حيدر
طريق الجهاد (2)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الشهادة والشهداء
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
أهمّ عناصر النصر (3)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
دور الجهاد في تربية الإنسان
الشهيد مرتضى مطهري
حق الجهاد
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
معركة أحد في 15 شوال عام 3 للهجرة
الشيخ جعفر السبحاني
ممتنع الوجود
الشيخ محمد جواد مغنية
الحمزة بن عبد المطّلب: ليث عرين النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة