سياحة ثقافية

الخلاص والشيشيّ والخنيزي.. تجذُّرٌ في واحتي الأحساء والقطيف

تحتلّ النّخلة في الأحساء والقطيف مكانةً تتجاوز حضورها النّباتيّ؛ فهي وثيقة حيّة ممتدّة في الزّمن. وكما تحفظ المخطوطاتُ النصوصَ بين دفّاتها، تحفظ النّخيلُ ذاكرة المكان في جذوعها وظلالها ومواسمها المتعاقبة. وعند الرّجوع إلى المصادر الكلاسيكيّة التي تحدّثت عن إقليم البحرين القديم - الاسم التّاريخيّ الذي يشمل هجر/الأحساء والخطّ/القطيف وأوال/البحرين - يتّضح أنّ التّمر أدّى أدوارًا متداخلة في الحياة الاجتماعيّة؛ فقد شكّل عنصرًا أساسيًّا في الغذاء، وموردًا اقتصاديًّا مستقرًّا، حاملًا رمزيّة دينيّة وثقافيّة عميقة.

 

في رواية يذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، يقدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وآله، ويضع بين يديه هديةً من تمر «التّعْضُوض أو البرنيّ»، فيلتفت إليها ويثني عليها، ويدعو لعبد القيس بخير. وتمثّل هذه الإشارة شهادةً مبكرة على أنّ تمور الأحساء والقطيف والبحرين كانت معروفة الجودة حتى في المدينة المنوّرة، وأنها كانت تُهدى كأنفس ما يُنتج في الإقليم.

 

 

تصف المعاجم الكلاسيكية «التّعْضُوض» بعبارات واضحة، من قبيل: تمر أسود، شديد الحلاوة، لحيم، جعد، رطب، كأنّ فيه آثارَ عضّ من كثافة تظفيره وتحزيزه (1). ويؤكّد اللّغويّون أنّ «معدنه هجر»، وأنّه من «أسرى تمرانها» (2).

 

 

وعند نقل هذه الأوصاف إلى واقع اليوم في الأحساء والقطيف، فإن أغلبها - كما يرجّح الباحث عبد الخالق الجنبي - تنطبق بدرجة لافتة على نوعين معروفين في المنطقة، هما الشيشي والخنيزي. فكلاهما أسود مشرب بحمرة، لحيم، شديد الحلاوة، غنيّ بالدّبس، وتظهر في قشرته تجاعيد دقيقة تشبه ما وصفه القدماء (3).

 

 

يتّصلّ الأمر هنا، بسلسلة زراعيّة ممتدّة عبر الزمن، تعكس عمق العلاقة بين الاسم والمحصول. وبقاء اسم «عين التعاضيد» متداولًا قرب بني معن في الأحساء يوحي بأن الذّاكرة الجغرافيّة ما تزال تحتفظ بأثر تلك التّمرة القديمة في تسمية المكان. وكأنّ اللّغة تتحرّك في الواحات كيانًا حيًّا يتبدل في صيغته، مع احتفاظه بجذوره ومعانيه الأولى.

 

أمّا «البرنيّ»، فقد وصفته المعاجم بأنه تمر ضخم، مشرب بصفرة، كثير اللحاء، عذب الحلاوة، يلتصق بعضه ببعض حتى إذا فُلق ظهر فيه كالخيوط (4). وهذا الوصف، حين يُقرأ بعين معاصرة، يقود مباشرةً إلى تمر الخلاص. فحين يُكبس الخلاص الجيد فوق بعضه، يسيل منه دبسٌ ذهبيّ صافٍ يشبه العسل، وإذا سُحبت تمرةٌ منه ظهر خيطٌ رفيع يربطها بما حولها - تمامًا كما وصف القدماء بـ «الصيغل» (5).

 

 

هنا يصبح التّحوّل اللّغويّ محتملًا، فقد يكون «البرنيّ» هو الاسم الأقدم لما صار يُعرف لاحقًا بـ «الخلاص». وتزداد قوة هذا الاحتمال حين نقرأ ما ورد في فضائل البرنيّ في كتب الحديث عند البرقي والكليني، إذ نجدُ حثًّا على تقديمه للنّفساء (6). ولا تزال هذه العادة حاضرة في الأحساء والقطيف حتى اليوم؛ إذ يُعطى تمر الخلاص للمرأة حديثة الولادة، ويُطهى منه مع الدّقيق والعسل ما يُعرف محليًّا بـ «العفوسة»، كإحدى أصناف طبق العصيدة.

 

يحمل التّذكير بالجذور المحلية لأصناف مثل الخلاص والشيشي والخنيزي معنى ثقافيًّا يذكر بوصل الاسم بالمكان. فقد ارتبطت هذه التّمور تاريخيًّا بالأحساء والقطيف، واحتفظت في الذاكرة الشعبية بعلاقتها الوثيقة بتربة الواحتين ومياهها وواحاتها، كجزءٍ من المشهد الزّراعيّ الذي تشكّلت فيه حياة النّاس وإيقاع مواسمهم.

 

ويمتدّ حضور إقليم البحرين في المصادر القديمة بوصفه فضاءً عامرًا بالزّراعة والتّجارة والحياة الرّوحيّة، حيث شكّلت الواحات موردًا اقتصاديًّا ومجالًا للتّواصل الاجتماعيّ. وتكشف قراءة النّصوص التراثية عن طبقاتٍ من المعنى تتجاوز الوصف اللّغويّ، لتضيء أنماط العيش التي صاغت هوية الواحتين عبر القرون.

 

عند تذوّق تمرة الخلاص أو الشيشي أو الخنيزي، يتداخل الطّعم مع تاريخٍ طويل من العمل في البساتين، ومن حركة التّجارة في الإقليم، ومن الطقوس الاجتماعيّة التي نسجت حول النّخلة مكانتها الخاصّة. وتظهر الأحساء والقطيف، في هذا الضوء، فضاءين يحتفظان بأرشيف حيّ من الخبرة الزّراعيّة والذّاكرة الجمعيّة. وكل فسيلةٍ تُغرس اليوم تواصل هذا الامتداد الثّقافيّ بين الماضي والحاضر، وتؤكّد أنّ العلاقة بين الهويّة والجغرافيا علاقة نموٍّ مستمرّ يشبه نموّ النّخيل ذاته.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) - الفائق في غريب الحديث، ج 2، ص 99.

(2) - لسان العرب، ج 7، ص 419؛ تاج العروس، ج 5، ص 55.

(3) - عبد الخالق الجنبي، هجر وقصباتها الثلاث (بيروت: دار المحجة البيضاء، 2004)، ص 8–10.

(4) - كتاب العين، ج 8، ص 270؛ الفائق في غريب الحديث، ج 2، ص 99.

(5) - القاموس المحيط، ج 4، ص 2؛ تاج العروس، ج 7، ص 403.

(6) - المحاسن، ج 2، ص 533؛ الكافي، ج 6، ص 22.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد