
الذنب هو مخالفةُ الأوامر الإلهيَّة الواردة في الشريعة الإسلاميَّة، بترك الواجبات أو ارتكاب المحرَّمات، فكلُّ مخالفة لتلك الأوامر والنواهي تعدُّ ذنباً، حتَّى لو كان هذا الذنب في نفسه هيّناً وبسيطاً، فهو عظيم لمخالفته الأوامر والنواهي الربّانية، والخروج عن رَسْمِ الطاعة والعبوديَّة.
وقد ربّى الإسلامُ الإنسانَ على امتلاك إرادة قويّة تمنعه من الوقوع في الحرام واجتناب الذنوب؛ إذ إنّه المرحلة الأولى والأساسيّة التي ينبغي سلوكها في مسيرة السلوك والتقرُّب إلى الله، وهو كمن يُريد زراعة أرض، فَيُنقّيها مِن الحشائش والأعشاب الطفيليّة قَبل زراعتها.
كيف ننظر إلى ذنوبنا؟
شدّدَت النصوص على جملة من الضوابط والقيود التربويّة، احترازاً مِن الوقوع في المعصية، وسَعياً في بُلوغ الإنسانِ شعور الإحساس بالنار عند مقاربة المعصية، مِنها:
1. عدم استصغار الذنب: إنّ استصغار الذنب والاستخفاف به مِن أخطر الأمور الأخلاقيّة؛ لأنّه يُسهّل في عين الإنسانِ التجرُّؤ على الله، ويُصغّر خطورة المعاصي، فتتراكم عنده جبال مِن الذنوب، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «اتّقوا المحقّرات مِن الذنوب، فإنّ لها طالباً، لا يقولنَّ أحدكم: أُذنِب وأستغفر الله تعالى. إنّ الله تعالى يقول: ﴿إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّة مِّنۡ خَرۡدَل﴾[1]»[2]، وعن الإمام عليّ(عليه السلام): «أشدّ الذنوب ما استخفَّ به صاحبه»[3].
2. الذنب جرأةٌ على الله: إنّ الجرأة تمنع مخافة الله في قلبِ الإنسان؛ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في وصيّته لِأبي ذرٍّ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى مَنْ عَصَيْتَ»[4].
3. الحذر حال الخلوة: كثيراً ما يمتنع الإنسان عن المعصية حياءً مِن الغير، ولكنّه لا يُبالي لَو كان منفرداً؛ عن الإمام عليّ (عليه السلام): «اتَّقُوا مَعَاصِي اللَّهِ فِي الْخَلَوَاتِ، فَإِنَّ الشَاهِدَ هُوَ الْحَاكِم»[5]. وَفي دعاء أبي حمزة الثمالي: «فَلَوِ اطَّلَعَ الْيَوْمَ عَلَى ذَنْبِي غَيْرُكَ مَا فَعَلْتُهُ»[6] تشديدٌ على ضرورة عَدِّ الله أشدّ الناظرين، وضرورة استشعار الرقابة الإلهيّة، فإنّها تَحول بين المرء والوقوع في المعصية.
4. خوف تعجيل العقوبة: إنّ افتراض الإنسان أنَّ العقوبة فوريّة، وأنّ الله سيُحاسبه فور انتهائه مِن المعصية، يُساهم -تربويّاً- في الامتناع عن المعصية؛ «وَلَوْ خِفْتُ تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ لَاجْتَنَبْتُهُ»[7].
5. التوبة وعدم الإصرار على الذنب: إنّ الإصرار مِن شأنه أن يحوّل صغائر الذنوب إلى كبائر، وأن يُهوّن الذنب في نظر صاحبه، بل قد يَأنس به فَيدعوه ذلك إلى المزيد مِن الجرأة والتمادي على الله تعالى؛ عن الإمام عليّ (عليه السلام): «أَعْظَمُ الذُنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ ذَنْبٌ أَصَرَّ عَلَيْهِ عَامِلُهُ»[8].
من آثار الذنوب
1. قساوة القلب: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما جفّت الدموع إلّا لقسوة القلوب، وما قسَت القلوب إلّا لكثرة الذنوب»[9]، وإنّ صاحب القلب القاسي أبعد ما يكون عن الله تعالى، وصاحبه لا يميِّز بين الحقّ والباطل، ولا ينتفع بموعظة ولا يقبل نصيحة، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لا تُكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله يقسّي القلب، وإنّ أبعد الناس من الله القاسي القلب»[10].
2. نقصان العمر: فقد تكلّمت بعض الروايات على ما يوجب زيادة العمر والرزق ونقصانهما وعدم البركة فيهما، كبرِّ الوالدين وعقوقهما، وصلة الرحم وقطيعتها، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن يموت بالذّنوب أكثر ممّن يموت بالآجال، ومَن يعيش بالإحسان أكثر ممّن يعيش بالأعمار»[11].
3. موت الفجأة: عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إذا ظهر الزنا من بعدي، كثُر موت الفجأة»[12]، وعنه (صلى الله عليه وآله): «إنّ موت الفجأة تخفيفٌ عن المؤمن، وأخذة أسف[13] عن الكافر»[14].
4. عدم التوفيق للعبادة: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الرجل ليذنب فيُحرَم صلاة الليل، وإنّ العمل السيّئ أسرع في صاحبه من السكّين في اللحم»[15]، فشبّه الإمام (عليه السلام) السيّئة بالسكّين؛ لسرعة النفوذ وقوّة التأثير.
5. شدّة النزع حال الاحتضار: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما من الشيعة عبدٌ يقارف أمراً نهيناه عنه فيموت، حتَّى يُبتلى ببليّة تُمحَّصُ بها ذنوبه، إمّا في مالٍ، وإمّا في ولدٍ، وإمّا في نفسه، حتَّى يلقى الله عزّ وجلّ وما له ذنبٌ، وإنّه ليبقى عليه الشيء من ذنوبه، فيُشدَّدُ به عليه عند موته»[16].
6. وحشة القبر وغربته: عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «يا عباد الله، ما بعد الموت لمن لا يُغفر له أشدّ من الموت، القبر فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته»[17].
7. ضغطة القبر: إنّ ضغطة القبر على المؤمن -إن حصلت- هي من باب تطهيره من الذنوب المتبقّية في عالم الدنيا، فيخرج نقيّاً إلى عالم القيامة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ضغطة القبر للمؤمن كفّارة لما كان منه من تضييع النِعَم»[18].
وفي الروايات أنّ هناك أعمالاً تؤدّي إلى ضغطة القبر أو إلى شدّتها، فعن أمير المؤمنين(عليه السلام): «عذاب القبر يكون من النميمة، والبول، وعزب[19] الرجل عن أهله»[20].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] سورة لقمان، الآية 16.
[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج7، ص20.
[3] السيّد الرضي، محمّد بن الحسين الموسويّ، خصائص الأئمّة، تحقيق محمّد هادي الأميني، مجمع البحوث الإسلامية - الآستانة الرضوية المقدسة، إيران - مشهد، 1406ه، ط1، ص125.
[4] الطوسيّ، الشيخ محمّد بن الحسن، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، إيران - قمّ، 1414ه، ط1، ص528.
[5] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص532، الحكمة 324.
[6] الشيخ الطوسيّ، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، مصدر سابق، ج2، ص584.
[7] المصدر نفسه.
[8] الليثيّ الواسطيّ، الشيخ كافي الدين عليّ بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق الشيخ حسين الحسينيّ البيرجنديّ، دار الحديث، إيران - قمّ، 1418ه، ط1، ص112
[9] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، علل الشرائع، تقديم السيّد محمّد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدرية، العراق - النجف الأشرف، 1385هـ - 1966م، لا.ط.، ج1، ص81.
[10] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج90، ص164.
[11] الكلينيّ، الشيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح عليّ أكبر الغفّاريّ، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1363ش، ط5، ج5، ص140.
[12] المصدر نفسه، ج1، ص374.
[13] أخذة أسف، أي أخذة غضب.
[14] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص112.
[15] المصدر نفسه، ج2، ص272.
[16] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج6، ص157.
[17] المصدر نفسه، ج6، ص218.
[18] المصدر نفسه، ج6، ص221.
[19] عزب الرجل عن أهله معناه ابتعاده عن فراشه وطعامه، مع ظلمه لزوجته.
[20] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج1، ص309.
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
أسباب الحبّ
حبيب المعاتيق
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
حسين حسن آل جامع
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
وجهة
ناجي حرابة
الميتافيزيقا المثلومة
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
مقام الرضا الأعظم
معنى (لفت) في القرآن الكريم
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
أسباب الحبّ
آل ربح والسّيهاتي يوقّعان في القطيف إصدارَيهما الجديدين
اختتام النسخة الحادية عشرة من حملة التّبرّع بالدّم (عطاؤك حياة)
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
قراءة في كتاب: (نداء على حافة الأبدية) للشاعر هادي رسول