
إن لله سبحانه نحوين من الرحمة: الرحمة المطلقة والشاملة والتي لايقابلها شيء، والرحمة الخاصة التي تقابل الغضب، ...فإن (الرحمن) تدل على الرحمة المطلقة والشاملة، و(الرحيم) تدل على الرحمة الإلهية المحدودة والخاصة.
والرحمة الرحمانية لله وسعت كل شيء: (الدنيا والآخرة والمؤمن والكافر) وهي رحمة غير محدودة، كالشمس التي تشرق وتشع على الجميع وكالمطر الذي يهطل على كل أرض: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً} [غافر: 7] ، "وبرحمتك التي وسعت كل شيء"(1 )، "يا من سبقت رحمته غضبه"(2).
وعلى هذا فإن رحمة واسعة كهذه يقابلها "العدم"، لا "الغضب"، لأن تقابلها مع الغضب الإلهي يوجب خروج الغضب من تحت الرحمة الرحمانية وتقييد الرحمة المطلقة.
أما الرحمة الرحيمية فتكون في مقابل العذاب والسخط الإلهي وهي محدودة ومتناهية(3)، كما أن السخط الإلهي محدود. وتوفيق نصرة الدين وتعلم المعارف الإلهية والقيام بالأعمال الصالحة في الدنيا ونيل الجنة والرضوان الإلهي في الآخرة، كل هذه هي من المظاهر البارزة للرحمة الرحيمية.(4)
الرحمة الرحمانية والرحيمية في القرآن في بعض آيات القرآن الكريم ذكرت الرحمة الإلهية الخاصة فقط كما سال في قوله تعالى:
1. {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [العنكبوت: 21] ففي هذه الآية الكريمة ذكرت الرحمة الإلهية في مقابل العذاب، ومثل هذه الرحمة هي رحمة إلهية خاصة.
2. {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] هي الرحمة الخاصة، وإلا فإن المحسن والمفسد كل منهما مشمول بالرحمة الإلهية المطلقة.
وفي بعض الآيات أيضأ أشير إلى الرحمة المطلقة فقط كما في قوله تعالى:
1. {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُو} [يس: 23] فمع أن الكلام في هذه الآية حول العذاب نجد ذكر الله الرحمن لا القهار ولا المنتقم، لأن الرحمة الرحمانية شاملة للعذاب أيضًا.
2. {الرَّحْمَنُ - عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: 1، 2]. في سورة الرحمن المباركة وبعد ذكر اسم (الرحمن) الشريف يذكر جهنم من جملة النعم وألوان الرحمة والإلهية كتعليم القرآن ونعيم الجنة فيقول {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ - يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (- فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 43 - 45] فجهنم كمال وجودي وإلى جنب الجنة وسائر الآلاء والتعم الإلهية تدخل تحت ظل الرحمة المطلقة لله سبحانه.
3. {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 147] فالرحمة التي تذكر في جنب تكذيب الكافرين وتعذيب المجرمين هي الرحمة المطلقة(5).
وفي بعض الآيات أيضًا ذكرت الرحمة بقسميها كما في قوله تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } [الأعراف: 156] (6).
في هذه الآية الكريمة يجيب الله سبحانه كليمه موسي (عليه السلام) الذي سأله أن يكتب له حسنة (رحمة خاصة) في الدنيا والآخرة فيبين له القواعد الثلاث التالية:
1. إن العذاب الإلهي ينزل على أفراد معينين وفقًا للمشيئة الإلهية والحكيمة (العذاب الخاص).
2. سعة الرحمة الإلهية العامة شاملة ومحيطة بكل شيء (حتى العذاب)، (الرحمة المطلقة).
3. إن الرحمة مع سعتها وشمولها فإنها تعطي للمؤمنين المتقين الرحمة الخاصة.
والرحمة التي هي نصيب المتقين وحدهم، هي (الرحمة الخاصة الرحيمية) لا الرحمة العامة والمطلقة (الرحمانية) التي يمتد ظلها ليشمل المتقين والمفسدين.
تنويه: إن البحث في اختلاف الرحمن عن الرحيم وإمكانية الفصل بينهما مبني على أن لكل منهما تعينًا خاصًّا وصفة خاصة وإما بناء على الرأي القائل بأن المجموع منهما يكون اسمًا خاصًّا مثل بعلبك ورامهرمز كما يرى بعض أساطين أهل المعرفة(7) فالنتيجة هي أن تدبير نظام الوجود الإمكاني قائم على أساس التلفيق والجمع بين الرحمة العامة والخاصة ولا مجال للفصل بينهما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. مفاتيح الجنان، دعاء كميل.
2. نفس المصدر، دعاء الجوشن الكبير.
3. المقصود من التناهي هو المحدودية بالنسبة إلى الرحمة المطلقة، وإلا فات الرحمة الخاصة أيضًا بلحاظ الثبات والاستمرار هي غير متناهية.
4. حيث ان التوفيق لنصرة الدين هي من أفضل مظاهر الرحمة الإلهية الخاصة - وقد حرم منها البعض بسبب عدم أهليتهم وكفاءتهم، لذلك فإن الله يخاطبهم بكلام مفعم بالعتاب ويقول اقعدوا فإني أنصر ديني على يد غيركم: {ولو أرادوا الخروج لأقواله عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} (سورة التوبة، الآية 46).
5. ويحتمل أيضًا أن يراد بها الرحمة الخاصة ومعناها أن الرحمة الإلهية كثيرة وفي قبال تكذيب أعداء الدين يجب الاعتماد على الرحمة الخاصة.
6. سورة الأعراف، الآية 156. وضمير (ها) في قوله (سأكتبها) الحاكي عن الرحمة الخاصة يعود على نحو الاستخدام إلى الرحمة المطلقة المذكورة في كلمة (رحمتي)، فالمقصود من ضمير المؤنث (ها) في قوله (سأكتبها) هو قسم خاص من الرحمة.
7. تفسير ابن العربي، ج 1، ص 26-27 .
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
معنى أنَّ الإمام الرضا (ع) رضيَ به المخالفون
الشيخ محمد صنقور
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)
محمود حيدر
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
معنى (ولج) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
لا تبذل المجهود!
عبدالعزيز آل زايد
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
حسين حسن آل جامع
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
قراءة في كتاب: (نداء على حافة الأبدية) للشاعر هادي رسول
معنى أنَّ الإمام الرضا (ع) رضيَ به المخالفون
الإمام الرضا عليه السلام: 19 عاماً من الجهاد
الصداقة الناجحة في كلمات الإمام الرضا (ع)
الحادي عشر من شهر ذي القعدة سنة 148 ه: ولادة الإمام الرّضا (عليه السّلام)
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
علاج ضوئي جديد يمكنه كبح أحد أهم مؤشرات تساقط الشعر
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)