علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)

التعرُّف على الغير كمبدأ لمكارم الأخلاق

 

التعرُّف على الغير في عالم الاختلاف مفهومٌ أصيلٌ سابق على مفاهيم لاحقة تنتسب إليه، مثل الحوار والمفاوضة. فهذان المفهومان يعادلان الجدل المذموم الذي هو أداة هيمنة لا أداة معرفة. هو ليس الجدل الأحسن كما قرّره القرآن الكريم ليشير بـ (الأحسنية) الى التعرُّف المحمود. فهذا الأخير يختزن في داخله أفهامًا وقيمًا تؤلّف على الجملة البناء المعرفي لفلسفته، وهي بإيجاز على الوجه التالي:

 

أولًا – التعرُّف بما هو إرادة المعرفة بالموجود الأشرف كما تقرّره الحكمة الإلهية. والمقصود هنا الكائن الإنساني على وجه الخصوص. هذا النوع من إرادة المعرفة، قائم على مبدأ التآخي، عن طريق متاخمة هذا الكائن قصد التعرف إليه كما هو. من دون فرض أو إكراه.

 

ثانيًا – التعرُّف بما هو الكشف عما هو مجهول في ذات المتعرف. إذ لا تستوي معرفة المتعرف بنفسه إلّا بالتعرف على ما هو محتجب في نفس الآخر.

 

ثالثًا - التعرُّف بما هو علم معاملة وفهم للغير. وهو علم التخلُّق العملي الذي ينظم الصلة بالغير، ويقيمها على التسامح والقبول والمعايشة الرحمانية.

 

رابعًا - التعرف بما هو إقبال المتعرِّف نحو الغير ابتغاء وَصْلِهِ على الود والإقبال والانفتاح.

 

خامسًا - التعرف كمقصدٍ دنيويّ وفوق دنيوي في آن:

 

دنيوي؛ لأنّ المتعرِّف يروم الوصول بالسؤال والتساؤل إلى فهم حقيقة الموجودات بما هي موجودات.

 

وفوق دنيوي؛ لأنّه يبحث عن سر الوجود في كلّ موجود. أي العثور على السبيل الموصل إلى الأصل الذي ظهر بسببه كلّ كائن. أي التعرف على الواجد، وهو أعلى مقامات العرفان. إذ تمتاز هذه الدرجة من الانهمام بالفهم أنْ يبلغ المتعرّف مقام التجلّي والشهود في الوجود.

 

سادسًا: التعرف بوصفه معطى إلهيًا أوجبته الأديان على مؤمنيها ليكون لهم سبيلًا للاهتداء الى الخالق عبر معرفة على مخلوقاته.

 

حين يتّصف المتعرف بهذه الأصول ويعمل بها، يفتح السبيل إلى جعل المفهوم حركةً ساريةً في الحياة على نشأة العدل والتخلق الرحماني. المتعرِّف العادل المتخلّق، هو الذي يشاهد الغير في نفسه ويشاهد نفسه في الغير بعين اللحظة؛ كما لو كان هو والغير نفسًا واحدة. فلو تحقَّق له مقام الغيرية يكون قد قطع المسافة المكتظَّة بالريب حيال هذا الغير الذي هو نظير له في الآدمية. ولكي تنعقد موازين العلاقة بين الأنا والغير المختلف على نصاب التعرُّف، فلا مناص من قيامها على ‌صفاء النية، وسمو القصد ولطف الاختلاف. وحين يأخذ التعرُّف سبيله إلى حقول التنوع يثبُت الوصل بين الذات ونظيرها. حيث إنّ أفضل درجات هذا الوصل ما نشأ، ونما وسرى في متسعات الاختلاف والغيرية.

 

التعرُّف إذًا، وليد شرعي للتغاير. بل هو استجابة المتعرِّف لنداء العلم بكلّ من يغايره الفهم في الثقافة والأيديولوجيا والمعتقد. وبقدر ما يتسامى التعرُّف على العصبيات والتحيُّزات والهويات المغلقة، بقدر ما يتصل بها جميعًا بوصفها ظاهرات اجتماعية، توجِبُ النظر إليها، والتعامل معها كوقائع يفترضها الاحتدام الطبيعي في عالم الناس. إلا أنّ فهم التعرّف على حقَّانيته يفترض تناظرًا متكافئًا لا رجحان فيه للذات على الغير ولا الغير على الذات. تناظرًا لا يلغي فيه أحدٌ أحدًا، بل الكل موصول بالكل على نحو التكامل والامتداد في المنفسح الإنساني.

 

لما وضع أرسطو ”كوجيتو المنطق” ربما لم يكن متنبّهًا للوهلة الأولى إلى تلك الجرعة الزائدة من سطوة الإيديولوجيا على دنيا الإنسان. راح يبيِّن أنّ الإنسان حيوان راغب بالمعرفة، بعدما خلع عليه نعت الحيوانية الناطقة. سوى أنّه لم يمضِ إلى المحل الذي منه تُستظهر غريزة الكائن الاجتماعي في مقام تحيُّزها. فالإنسان بالإضافة إلى كونه عاقلًا، هو كائن متحيِّز بفطرته إلى التسليم بيقين ما والإيمان به. وما ذاك إلا لتطمئن نفسه إلى نهايتها المحتومة. من هذا المحل الغائر في الأعماق تنهض الغريزة الإيديولوجية لتجتاح عوالمه كلها. ولأنّ الإنسان (حيوان كسول) كما طاب للحكمة اليونانية أنْ تقول، فقد أردفت قولها بتنبيه أهل المدن، ”إمّا أنْ يختاروا الراحة وإمّا أنْ يكونوا أحرارًا”. وما انبرى اليونان ليتقوَّلوا هذا، إلّا لفتح نافذة للحكمة، والتهيُّؤ لظهور الحكيم. فالحكيم وحده من يظهر إلى الملأ كراغب بالمعرفة والمتحيِّز إلى الخيريِّة التامة في آن.

 

الحكيم المتعرِّف في لحظة انهمامه بالكشف عمّا لا علم له به، لا يرفض اليقين الدنيوي كما تنشده الإيديولوجيا، إلا أنّه لا يتخذه قياسًا للأحكام. ينظر إلى الولاءات والعصبيات بعين الحكمة، يستحكيها بعقل بارد، يتبصَّرها بوصفها ظاهرة، ويتأولُها كنمط تفكير. ومن قبل أنْ يصدر حكمه، ينصرف إلى مساءلتها والاستفهام عن بواعثها وديناميات عملها. فليست مهمة الحكيم ـ بما هو حكيم إلا أنْ يكون في لحظة التعرَّف متساميًا على فتنة المتناقضات. وما ذاك إلا قصد التحرِّي والجمع وتظهير خط التواصل والامتداد في ما بينها بينها. ذلك لا يعني البتة استقلاله السلبي أو حياده. هو ليس محايدًا بين الحكمة والضلالة. وبوصف كونه حكيمًا، فهو متحيِّز إلى الحكمة بما تفيض على سالكها من خيرية المعايشة. ولأنّ التعرُّفَ منفسحٌ يسمو فوق التحيُّزات، لا يلتجئ الحكيم إليه من أجل أنْ يكون محايدًا بين حق وباطل، وإنّما ليتحرَّى منازل الحقانية، والبطلان في مجمل التحيزات التي يعبر فضاءاتها.

 

والمتبصِّر بواجبية التعرُّف لا ريب لديه في قانون الاختلاف. فهو على دراية من أنْ تعرُّفًا بهذه الخصائص لا يضادّ الولاء لقضية وهوية ودين. ذلك بأنّ الولاء بلا عصبية، مُقِرُّ بحقانية التنوع وحرية الاعتقاد. فالتعرُّف بما هو تعرُّف، من بديهيات الاجتماع البشري. ولأنّ الذي نسعى إلى تأصيل مبانيه وشرائطه، قائم على الجمع المتأنِّي بين التسامي على التعصُّب، والانتماء المُحِقِّ للهويات، أمكن أنْ ينفتح الأفق نحو تواصل خيِّرٍ بين الأديان والثقافات على تعدّدها واختلافها. بهذا يغدو التعرُّف جوهرًا أصيلًا في ذات المنتمي، يفيض من خلاله على الغير بما يختزنه من جميل، ثم ليستحثَّ هذا الغير الى إفاضة معاكسة هي أدنى الى ردّ الجميل بالجميل.

 

ولتظهير ما يمكن بوصفه هندسةً تفكيريةً لـ (فلسفة التعرُّف)، وجدنا أنْ نؤسس مسعانا على مبنَيَيْن رئيسين:

 

الأول: متصلٌ بالتلازم الوطيد بين التخلُّق والتعرُّف.

 

والثاني: متعلقٌ بالتبصُرُ وسعة الصدر. وغايته تحقِّق الوصل الرحماني في عالم الإختلاف والكثرة. وعلى هذين المبنيين الكلام على التعرف والمحاورة الرحمانية يكتسبُ أهميته الاستثنائية. في سياق النقاش حول طبيعة الخطاب الديني. ولعل ما يمنح أطروحة التعرُّف أولويتها الخاصة، أنّها تكشف عن واحد من أهم وأبرز عوامل القطيعة بين الأديان الكبرى، وهو ما تعكسه الحالة النمطية من الحوار المعمول به على سيرة المجاملات العابرة. وهذا بالذات ما قصدناه بواجبيَّة الأخذ بقاعدة التعرُّف لتجاوز الجهل عبر معرفة الذات والآخر قبل الشروع بأي حوار.

 

الفضيلة العليا للتعرف لا تتوقف على تنوير مساحات الظلمة التي تحجب بصيرة المتحاورين وحسب. بل هي تمتد لتغمر بفضائلها كلّ من يمضي إليها أو يأخذ بناصيتها. وكلّما مضى المتعرِّف إلى لقاء نظيره على خط الرحمانية، كلما انقشعت عن نفسه غمامة الجهل، فعرف نفسه وعرف نظيره، وتعرّف الى سبيل الله في عين الوقت.

 

أما العائدات التي يحصّلها السالك إلى فهم سواه والتعرُّف إليه فهي كثيرة ‌وجليلة على الجملة:

 

أولًا: سوف يساعده التعرف في معرفة دينهِ بنحوٍ أكثر عمقًا. وذلك على اعتبار أنّ الحقائق تدرك بنظائرها، أو كما يقال ”إنّ الاشياء تعرف بأضدادها”. ففي مسار التعرف الذي يحفر مجراه عبر التداول والاستقراء والمساءلة، يتكشَّف المزيد مما هو مجهول علينا من حيوات الغير. وهو مسار لن يكون له حدود ما دام مفتوحًا على الامتلاء المستمر بالعلم. لاسيما إذا تشكلت معلومات ومعارف هي حصيلة فهم الآخر لدين المتعرِّف ومعتقداته.

 

ثانيًا: سوف يعينه على معرفة مواطن الخلل التي ينطوي عليها سلوكه الديني حيال المنتمي إلى دينٍ آخر. ونعني بمواطن الخلل: شعور المؤمن الساعي الى المعرفة بالرضى والأمان داخل معزلِهِ الديني (الطائفي او المذهبي) - والشعور بالاكتفاء الذاتي وهو يعيش حبيس قلعته المغلقة - والنظر إلى معتقده كطريق خلاص الى المدينة الفاضلة وإلى معتقدات الغير كموصل إلى الجحيم.

 

ثالثًا: من نتائج التعرف أن يغادر المتعرف عقدة الاستلاب الناتجة من جهله بنظيره حيث لا يتوقع منه إلّا سوء النية والشر المستطير.

 

رابعًا: سوف يتوصل المتعرّف إلى إدراك معنى ‌آخر للحرية. حيث تكف الحرية في حالة الإدراك المتبصِّر لأبعادها الإلهية والأخلاقية، عن كونها مجرد لعبة تستباح فيها أفهام ومعارف ومعتقدات الغير. خصوصًا حين تتحول الحرية ‌لديه إلى سلوك بعد أنْ اختبرت في حقل التواصل الحميم.

 

خامسًا: من فضائل التعرُّف أنّه يمنحك منفسحًا لتوسيع معارفك ممّا في معتقد غيرك من محاسن وكمالات لا تتوفر في مجال ثقافتك الدينية والأخلاقية.

 

سادسًا: إمكان التوصل عبر التعرُّف إلى ملتقى مفتوح يمكّن المتعرفين، وكلّ من موقعيته من بلورة استراتيجية تفضي إلى الخير العام في ميدان الفكر والثقافة الاجتماع والسياسة والتنمية ومقاومة الهيمنة الخارجية والاستبداد الداخلي.

 

في مناخ التحولات الكبرى التي تعصف بعالم القيم ومسارات المعرفة، يجد المؤمنون بأديان الوحي، أنّهم أمام اختبار إيمانهم الديني من جديد في سبيل تنمية حياتهم المشتركة وحضارتهم الإنسانية الواحدة. وفي غالب الاعتقاد ليس من أمر أكثر واجبية من التعرُّف والفهم بين الأديان.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد