علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد جواد مغنية
عن الكاتب :
الشيخ محمد جواد مغنية، ولد عام 1322ﻫ في قرية طير دبّا، إحدى قرى جبل عامل في لبنان، درس أوّلاً في مسقط رأسه ثمّ غادر إلى النجف الأشرف لإكمال دراسته الحوزوية، وحين عاد إلى وطنه، عُيّن قاضيًا شرعيًّا في بيروت، ثمّ مستشارًا للمحكمة الشرعيّة العليا، فرئيسًا لها بالوكالة. من مؤلّفاته: التفسير الكاشف، فقه الإمام الصادق(ع)، في ظلال نهج البلاغة، الفقه على المذاهب الخمسة، علم أصول الفقه في ثوبه الجديد، الإسلام والعقل، معالم الفلسفة الإسلامية، صفحات لوقت الفراغ، في ظلال الصحيفة السجادية، وسوى ذلك الكثير. تُوفّي في التاسع عشر من المحرّم 1400ﻫ في بيروت، ثمّ نُقل إلى النجف الأشرف، وصلّى على جثمانه المرجع الديني السيّد أبو القاسم الخوئي، ودُفن في حجرة 17 بالصحن الحيدري.

الدّين وعقول النّاس

تنقسم معرفة الإنسان إلى قسمين: فطرية ذاتية، ونظرية اجتهادية، والفطرية هي التي لا تحتاج إلى جد واجتهاد، بل تحصل تلقائيًّا بمجرد التصور، كالعلم بأن النور غير الظلام، والعمى غير البصر، والطول غير القصر، والحجر مخلوق غير خالق، ويشترك في هذه المعرفة (1) العالم والجهل على السواء، ومن أخطأ فيها فهو غير معذور.

أما المعرفة النظرية الاجتهادية فلا تحصل تلقائيًّا وبمجرد التصور، بل تحتاج إلى إعمال الفكر والجد والاجتهاد، كالعلم بأن الماء بسيط أو مركب، وأن هذا المرض من الأمراض المعدية أو غيرها، ويسمى هذه النوع بالقضايا النظرية التي تختلف فيها الأنظار باختلاف الأشخاص ومواهبهم ومعارفهم، والخطأ فيها مغتفر لصاحبه إذا كان بعد الجد وبذل الجهد، لأن إدراك الصواب في كل شيء متعذر أو متعسر.

 

والأصنام التي عبدها المشركون لا شبه بينها وبين الإله في وجه من الوجوه من قريب أو بعيد كي يعذر من شك أو احتمل أنها شريكة للَّه في خلقه، كيف وقد بالت عليها الكلاب والثعالب؟. فعبادتها أكثر قبحًا وسفهًا من وصف الظلام بالنور، والعمى بالبصر.

 

وتسأل: لا ريب في أن المعرفة منها فطرية لا يختلف فيها اثنان، ومنها اجتهادية يعذر فيها المخطئ، وإن نفي الألوهية عن الأحجار من البديهيات دون النظريات كما قلت.. ولكن المشركين قد عبدوها بالفعل، وكانوا عقلاء في تصرفاتهم، فما هو التعليل؟

 

الجواب: إن فريقًا منهم عبدها على حرف، وبقصد الكسب والمنفعة، وفريقًا آخر عبدها تقليدًا بعامل التلقين والوراثة.. ومن الواضحات الفطرية أن سلطان العقل يضعف ويتراجع أمام التقاليد والعادات، بخاصة إذا طال عليها الزمن، وتوارثها جيل عن جيل، ومن هنا كان الدين السليم حتمًا وضرورة تفرضها طبيعة الإنسان بالغًا ما بلغ من العلم والعقل.. فإن كثيرًا من الذين تعودوا أساليب العلم وطرقه الدقيقة في هذا العصر يؤمنون بالخرافات.. قال (غوستاف لوبون) في كتاب «الآراء والمعتقدات»: «إن العلماء تبدو عليهم السذاجة كما تبدو على الجهلة الأميين.. فالعالم قلما يبدو أسنى من الجاهل في الأمور التي ليست من اختصاصه، وبهذه الملاحظة ندرك السبب في أن أفضل العلماء يؤمنون بأشد الأوهام خطلاً». ثم ضرب على ذلك كثيرًا من الأمثلة، منها أن عالـمًا كبيرًا في عصره كان لا يخرج من بيته إلى المختبر إلا ومعه قطعة من حبل المشنوق تقيه بزعمه حسد الحاسدين، وسحر الساحرين.

 

{قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد : 16]. واحد في ذاته، وفي صفاته وفي خلقه، وقاهر لكل معاند وعاص لحكم من أحكامه. وقد جاء في كتاب «دفاع عن الإسلام» تأليف (لورا فيشيا فاغليري) ترجمة الأستاذ منير البعلبكي، قالت المؤلفة:

 

«دعا الرسول العربي إلى عقيدة التوحيد، وخاض صراعًا مكشوفًا مع بعض النزعات الرجعية التي تقود المرء إلى الشرك.. دعا محمد الناس إلى قراءة كتاب الحياة، والتفكير في الكون وسننه، إذ كان واثقًا بأن كل عاقل لا بد أن يؤمن آخر الأمر بإله واحد».

______________________
1- فرق البعض بين العلم والمعرفة بأن العلم يتعلق بالكليات، والمعرفة تتعلق بالجزئيات، أما نحن فلا نجد فرقًا بينهما، قال تعالى: «قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ» ولم يقل قد عرف، مع العلم بأن مشرب كل سبط من أسباط إسرائيل كان خاصًّا.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد