قصبات

القمبار: ذاكرة البحر وذكرياته في القطيف

يُعدّ (القمبار) من أقدم أساليب الصّيد التّقليديّ التي عرفها أهالي القطيف بشكل خاصّ، والخليج العربيّ بشكل عام، وهو جزء أصيل من الذّاكرة الشّعبيّة، والتّراث البحريّ في المنطقة.

 

وكان هذا النّوع من طرق الصّيد، يُمارس عادة في ليالي الصّيف، حين كان الصيّادون ينزلون إلى الشّواطئ الرّمليّة الضّحلة، حاملين أدواتهم البسيطة، وسط أجواء يغلب عليها الهدوء والسّكينة، في تجربة تختلط فيها الحرفة بالموروث الاجتماعيّ والإنسانيّ.

 

اعتمد (القمبار) على أدوات تراثيّة خاصّة، أبرزها (الصاخوب)، وهو أداة قمعيّة تُستخدم للإطباق على الأسماك، إضافة إلى (السراجة) أو (المشعل) الذي يعمل بالكيروسين لجذب الأسماك نحو الضوء، و(المنتاب) الذي كان يستخدم لرفع الأسماك، و(الجراب) المصنوع من خوص النّخيل لحفظ الصّيد داخله.

 

 

وكان الصيد يجري غالبًا بواسطة شخصين – أو أكثر - يسيران في المياه الضّحلة، أحدهما يحمل الضّوء والآخر يستعدّ لالتقاط الأسماك بحركة سريعة وخبرة متوارثة.

 

ولم تكن هذه المهنة مجرّد وسيلة للرزّق أو تأمين الطّعام فقط، بل كانت أيضًا، نشاطًا اجتماعيًّا، وهواية شعبيّة تجمع الأهالي على الحبّ والمودّة، إذ كان يُوزَّع الصّيد على الأهل والجيران والأصدقاء، ما يعكس روح التّكافل في المجتمع القطيفيّ القديم.

 

وقد أسهم (القمبار) في تشغيل مهن أخرى مرتبطة به، مثل صناعة الصواخيب، والسّراجات، وأدوات الخوص الأخرى، ما جعله جزءًا من دورة اقتصاديّة تراثيّة متكاملة.

 

وارتبط نجاح (القمبار) بمعرفة أهله بحركة المدّ والجزر، وقوّة الملاحظة والخبرة بالبحر، ليكون بذلك رمزًا لعلاقة الإنسان القطيفيّ بالبحر وبيئته السّاحلية.

 

ورغم اختفاء هذه الطّريقة تدريجيًّا مع توسّع العمران وردم كثير من السّواحل، إلاّ أن (القمبار) يبقي حاضرًا في ذاكرة أبناء القطيف، بوصفه إرثًا شعبيًّا يعكس أصالة المنطقة، وعراقة تراثها البحريّ الممتدّ عبر الأجيال.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد