
هناك تعابير في الروايات تدل على أنّ الإنسان كلما ازداد إيمانه ويقينه زالت عنه الحُجُب والصفات الذميمة (التي اصطنعها الإنسان نفسه بذنوبه) عن قلبه وتكشفت له حقائق أكثر عن الكون إلى درجة تمكنه من النظر إلى ملكوت السموات والأرض كما نظر إبراهيم الخليل.
إنّ قلب الإنسان وروحه كالمرآة التي حال غبار المعصية والصدأ الذي تراكم عليها من انعكاس الحقائق، لكنها عندما تُجلى بماء التوبة، ويزول غبار المعاصي عنها، ويطهرُ القلب جيداً، فإنّ الحقائق ستسطع فيها ويكون صاحبها أمين أسرار اللَّه، فيسمع نداءاته التي لا يسمعها إلّا من اؤتمن.
ويمكن أن نجعل الأحاديث التالية شواهد على ما قلناه:
1- يقول الرسول صلى الله عليه وآله في ضمن حديث له: «لولا أنّ الشياطين يحومون إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت» «1».
2- وقد جاء في خبر آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أيضاً: «ليس العلم بكثرة التعلّم، وإنّما العلم نور يقدفه اللَّه في قلب من يحب، فينفتح له، ويشاهد الغَيب، وينشرح صدره فيتحمّل البلاء، قيل: يا رسول اللَّه هل لذلك من علامة؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله» «2».
3- وقد وصف نهج البلاغة حُجَجَ اللَّه على الناس في الأرض هكذا: «هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين، واستدانوا ما استعوره المُترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها مُعلَّقة بالمحلِّ الأعلى، أولئك خلفاء اللَّه في أرضه والدعاة إلى دينه» «3».
4- وقد جاء في حديث «ذعلب اليماني» الخطيب النبه الذي كان من صحابة الإمام علي عليه السلام: سأل الإمام يوماً هذا السؤال: «هل رأيت ربَّك يا أمير المؤمنين»؟ أجاب الإمام: «أفأعبد ما لا أرى»؟! فقال: «وكيف تراه»؟ فقال الإمام: «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان» ثم أضاف: «قريبٌ من الأشياء غير ملابس، بعيد منها غير مباين» «4».
ليس مراد الإمام من إدراك اللَّه إدراك بالاستدلال العقلي، وهذا واضح، لأنّ هذا الأمر حاصل لجميع الموحدين وحتى لتلك العجوز صاحبة الغزل المعروفة، فإنّها تستدل على وجود اللَّه بحركة آلة الغزل التي تحتاج إلى محرك، فكيف بالفلك العظيم والسموات والأرضين.
فالمراد- إذن- إدراك للَّه يفوق الإدراك الطبيعي، أي الشهود الباطني، فإنّه يرى اللَّه به واضحاً بدرجة وكأنه يراه بعينيه. (فدقق).
5- وقد جاء في حديث معروف للإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «لو كشف لي الغطاء ما ازددتُ يقيناً» «5». أي أنّي أرى جميع الحقائق من وراء ستار الغيب، أراها بالشهود الباطني، وبصيرتي تشق حاجز الغيب وتنفذ فيه.
6- قال الإمام علي بن الحسين عليه السلام: «ألا إنّ للعبد أربع أعيُن: عينان يُبصر بهما دينه ودنياه، وعينان يُبْصر بهما أمر آخرته، فإذا أراد اللَّه بعبد خيراً فتح له العينين اللتين في قلبه، فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته» «6». وقد جاءت روايات عن الشيعة الصادقين يشبه مضمونها مضمون هذا الحديث «7».
7- ونقرأ في حديث الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ الرسول صلى الله عليه وآله رأى يوماً الصحابي «حارثة» فسأله عن حاله». فأجابه حارثة: «يا رسول اللَّه مؤمن حقّاً»! فقال رسول صلى الله عليه وآله: «لكلِّ شيءٍ حقيقةٌ فما حقيقة قولك؟». فأجابه حارثة: «يا رسول اللَّه عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت هواجري وكأنّي أنظر إلى عرش ربي وقد وضع للحساب وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون في الجنة وكأنّي أسمع عواء أهل النار في النار». فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : «عبدٌ نوّر اللَّه قلبه أبْصَرْتَ فأثبت». فقال حارثة: «يا رسول اللَّه ادعُ اللَّه لي أن يرزُقني الشهادة معك». فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: «اللهُمَّ ارزق حارثة الشهادة». ولم تمضِ أيّام كثيرة حتى أرسل الرسول فريقاً لأحدى المعارك وكان معهم حارثة فقاتل وقَتل ثمانية أو تسعة من الأعداء ثم قُتِلَ شهيداً «8».
8- وقد جاء في حديث للرسول صلى الله عليه وآله نقل في كتب أهل السنة: «لولا تكثير في كلامكم وتمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع» «9».
إنّ هذه الأحاديث وأحاديث أخرى من هذا النوع، وضحت العلاقة بين الكشف الروحاني والإيمان واليقين، وبينت إمكانية حصول الإنسان- بالتكامل المعنوي- على هذا الإدراك الذي لا نعلم عنه غير أنّه موجود فحسب.
____________________
(1). بحار الأنوار ، ج 70 ، ص 59 ، ح 39 ، باب القلب وصلاحه.
(2). تفسير الصراط المستقيم ، ج 1 ، ص 267.
(3). نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 147.
(4). نهج البلاغة ، الخطبة 179.
(5). غرر الحكم.
(6). خصال الصدوق ، ص 265 ، ح 90.
(7). بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 58 ، ح 35.
(8). أصول الكافي ، ج 2 ، ص 54 باب حقيقة الإيمان واليقين ، ح 3.
(9). تفسير الميزان ، ج 2 ، ص 292.
كيف تُرفع الحجب؟
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (قرع) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (3)
محمود حيدر
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الصدقات نظام إسلاميّ فريد (2)
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
التجلّيات السّلوكية والعمليّة لذكر الله تعالى
الشيخ محمد مصباح يزدي
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أربع قواعد ألماسية في علاج المشاكل الزوجية
الشيخ مرتضى الباشا
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
الأسرة والحاجة المعنويّة
كيف تُرفع الحجب؟
معنى (قرع) في القرآن الكريم
(نعم، سقطتْ مني استعارة!) جديد الشاعرة حوراء الهميلي
الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (3)
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
النّصر يدشّن مجموعته السّردية (الأحساء، خفايا الأرواح): الإنسان وحيدًا في حضرة السّرد
زكي السّالم ضيف ملتقى دار طرفة للشّعر في قرية سماهيج بالبحرين
كيف تصنع الخلايا السرطانية حمض اللاكتيك للبقاء على قيد الحياة؟
معنى (نقض) في القرآن الكريم