قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

إعراب: ﴿وَالْمُوفُونَ.. وَالصَّابِرِينَ﴾

المسألة:

 

قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ كيف تمَّ النصب لكلمة ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ رغم أنَّ الظاهر أنَّها معطوفة على قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ وما هو إعراب قوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾؟

 

الجواب:

 

حتى يتضح الجواب ننقل تمام الآية المباركة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾(1).

 

أما إعراب والموفون قوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ فهو معطوف على قوله: ﴿مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ﴾ فحيث إن الاسم الموصول ﴿مَنْ﴾ في محلِّ رفع لكونه خبراً للحرف "لكنَّ" لذلك صار المعطوف عليه وهو ﴿وَالْمُوفُونَ﴾ مرفوعاً بالواو، ومفاد الآية بناءً على ذلك ولكنَّ ذوي البرِّ من آمن والموفون يعني: ولكنَّ ذوي البرِّ المؤمنون بالله والموفون بعهدهم.

 

ويمكن إعراب: ﴿وَالْمُوفُونَ﴾ أنَّه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير وهم الموفون، فيكون مفاد الآية أنَّ ذوي البرِّ هم مَن آمنَ بالله، وهم الموفون بعهدهم.

 

وأمَّا إعراب: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ فهو منصوب على القطع والاختصاص لغرض المدح يعني أنَّه مفعول به لفعلٍ محذوف، والتقدير وأمدح الصابرين أو قل: وأخصُّ بالمدح الصابرين.

 

والتخالف في إعراب صفات المدح أو الذم المتعاطفة طريقةٌ جارية لدى العرب في موارد الإطناب بذكر النعوت والصفات، فلا تُجعل الصفات جميعها على نسقٍ واحد من الإعراب، لأنَّ ذلك عندهم أوقعُ في النفس وأبلغُ في أداء البيان.

 

قال أبو علي الفارسي: إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح والذم، والأحسن أنْ تخالف بإعرابها، ولا تجعل كلها جارية على موصوفها، لأنَّ هذا الموضع من موضع الإطناب في الوصف، والإبلاغ في القول، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل، لأنَّ الكلام عند الاختلاف يصير كأنَّه أنواعٌ من الكلام، وضروبٌ من البيان، وعند الاتِّحاد في الإعراب يكون وجهاً واحدا أو جملةً واحدة"(2).

 

ومن ذلك قول الشاعر العربي:

 

 لا يبعدنْ قومي الذين همُ... سمُّ العداة وآفةُ الجزر

النازلين بكل معتركٍ... والطيبون معاقد الأزر(3)

 

فكلمة "النازلين" -رغم أنها نعتٌ للمرفوع- نُصبت على تقدير المدح أي أمدح النازلين، والطيبون معناه وهم الطيبون، فالرفع جاء على تقدير مبتدأ محذوف والطيبون خبره. فمفاد الفقرة أمدح النازلين وهم الطيبون. ومنشأ ذلك هو أن النعت إذا طال وكثر صار من المستحسن التنويع في الإعراب فإنَّه أوقع وأبلغ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- سورة البقرة / 77.

2- الإعراب المحيط -أبو حيان الأندلسي- ج1 / ص368.

3- خزانة الأدب -البغدادي- ج5 / ص41.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد