قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مصباح يزدي
عن الكاتب :
فيلسوف إسلامي شيعي، ولد في مدينة يزد في إيران عام 1935 م، كان عضو مجلس خبراء القيادة، وهو مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي، له مؤلفات و كتب عدیدة فی الفلسفة الإسلامیة والإلهیات والأخلاق والعقیدة الإسلامیة، توفي في الأول من شهر يناير عام 2021 م.

علم الله تعالى بما سيقع، بين القرآن والتوراة

ورد في التوراة: 

 

(ورأى الربّ أن شرّ الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم * فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه * فقال الربّ: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم * وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب). سفر التكوين: 6 (5-8) 

 

فهل القرآن الكريم يحمل نفس هذه النظرة؟ 

 

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 30)  

 

يتضح من خلال هذه الآية: أنّ الملائكة حتى قبل خلق الإنسان كانوا يعلمون هويته وحقيقته وأنه سيقتل ويسفك الدماء.

 

ومن هنا طرحوا سؤالًا مؤدّبًا معترضين فيه على جعل خليفة من هذا النوع، فقالوا لله تعالى: لماذا تجعل الإنسان المخلوق السفاك والمخرّب خليفتك في الأرض رغم أننا بمنزلتنا هذه أرفع وأسمى منه؟

 

فأجابهم الله تعالى جوابًا مجملًا: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

وهذا الجواب على إيجازه فيه إشارة إلى حقيقة عظيمة: أن من بين هؤلاء البشر الذين عدّهم الملائكة ظالمين عاصين، سيكون هناك من منزلته ومقامه أسمى وأرفع من الملائكة، وهو الأحق بالخلافة في الأرض.

 

عند النظر إلى هذه الآية يمكن القول من دون شكّ: إنّ القرآن الكريم يرى أن القتال وسفك الدماء إحدى اللوازم البينة لوجود الإنسان الأرضي، وهو أمر ضروري لا ينفك عن حياته الاجتماعية. 

 

وإنّ الله تعالى وملائكته كانوا يعلمون قبل خلق هذا الكائن المعقّد بهذه الخصوصية الذاتية اللازمة له. 

 

وعليه لا يمكن القول إطلاقًا: إن الله تعالى لا يدرك حقيقة هذا المخلوق، ولا يجوز التفوّه بأنه لا يعلم ظاهرة الحرب المغروسة فيه وسفكه للدماء. 

 

ولا يصحّ الحديث أساسًا عن أنّه لا يدري بأن هذا الأمر سيتفق وقوعه في حياته ومسيرته الاجتماعية، وبعد خلقه أدرك حقيقة الموقف فندم على تكوينه وإبداعه! 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد