
المترجم: عدنان أحمد الحاجي
قضاء وقت طويل أمام الشاشات (مثل الهواتف والأجهزة اللّوحية وأجهزة التلفاز والحواسيب) قد يؤدي إلى اضطرابات انفعالية أو سلوكية، مثل القلق والتهيج وصعوبة ضبط النفس. وفي الوقت نفسه، وقد تدفع هذه الاضطرابات هولاء الأطفال إلى زيادة استخدامهم للشاشات (زيادة الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات)، ربما باعتبارها وسيلة للتأقلم، وفقًا لدراسة (1) نشرت نتائجها الجمعية الأمريكية لعلم النفس في مجلة "journal Psychological Bulletin".
أجرى فريق دولي من الباحثين هذه الدراسة، التي استعرضت وحللت تحليلاً تلويًا (2) بشكل ممنهجي 117 دراسة، شملت بيانات من أكثر من 292 ألف طفل من حول العالم. من هذا التحليل أثبت الباحثون وجود حلقة مفرغة: فالاستخدام المفرط للشاشات قد يُسهم في ظهور هذه المشكلات، وهذه المشكلات بدورها قد تزيد من استخدام الشاشات.
قال الدكتور مايكل نوتيل Michael Noetel، الأستاذ المشارك في كلية علم النفس بجامعة كوينزلاند وأحد مؤلفي الدراسة: "يقضي الأطفال وقتاً متزايداً أمام الشاشات، لأغراض شتى، من الترفيه إلى أداء الواجبات المدرسية إلى التواصل مع الأصدقاء. وقد وجدنا أن زيادة وقت استخدام الشاشات قد تؤدي إلى مشكلات انفعالية وسلوكية، وغالباً ما يلجأ الأطفال الذين يعانون من هذه المشكلات إلى الشاشات باعتبارها وسيلة للتكيف للتخفيف من هذه الصعوبات". لأنها تساعدهم على الهروب مؤقتًا من تلك المشاعر أو تصرف انتباههم عنها. على سبيل المثال، قد يشاهد الطفل الذي يعاني من هذه الصعوبات مقاطع فيديو أو يلعب ألعابًا أو يتصفح هاتفه لأن ذلك يُشعره بتحسن لفترة وجيزة أو يساعده على تجنب التفكير في مشكلاته النفسية والسلوكية. وبهذا الأسلوب، تصبح الشاشات أداة للتكيف، ووسيلة يحاول الطفل من خلالها التخفيف من آثار هذه الاضطرابات أو إدارتها أو الهروب منها.
أجرى نوتيل وزملاؤه تحليلًا تلويًّا لفهم العلاقة بين طول وقت استخدام الشاشات والمشكلات الاجتماعية والانفعالية، مثل العدوانية والقلق وانعدام الثقة بالنفس. وشملت دراستهم دراسات سابقة اقتصرت على متابعة أطفال دون سن العاشرة، وقاست كلّا من الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات وما إذا كانوا يعانون من مشكلات سوسيو انفعالية (socioemotional) [القدرة على إدارة الانفعالات فهم الحالات الاجتماعية المختلفة والتعامل معها بشكل مناسب، وذلك بتعديل السلوك والتوقعات تبعاً للظروف المحيطة بك]، حيث تمت متابعة الأطفال لمدة ستة أشهر على الأقل. وتضمنت الأنشطة التي تُستخدم فيها الشاشات وسائل التواصل الاجتماعي، وألعاب الفيديو، ومشاهدة التلفاز، واستخدام الأجهزة الموصلة بالإنترنت لعمل الواجبات المنزلية.
أُجريت معظم الدراسات في الولايات المتحدة (41 دراسة)، تلتها كندا (13 دراسة)، وأستراليا (11 دراسة)، وألمانيا وهولندا (7 دراسة لكل منهما).
كشفت نتائج الدراسة أن ازدياد طول وقت استخدام الأطفال للشاشات الإلكترونية يزيد من احتمالية إصابتهم بمشكلات سوسيو انفعالية. ويشمل ذلك مشكلات داخلية (موجهة نحو الذات)، مثل القلق والاكتئاب، واضطرابات خارجية، مثل العدوانية وفرط النشاط. في المقابل، وُجد أن الأطفال الذين يعانون من مشكلات سوسيو انفعالية أكثر ميلاً للجوء إلى الشاشات باعتبارها وسيلة للهروب من هذه المشكلات أو للتكيف معها.
حدد الباحثون عدة عوامل قد تؤثر في هذه العلاقة (بين طول وقت استخدام الشاشات وبين هذه الاضطرابات). فمقارنةً بالأطفال الأصغر سنًّا (من 0 إلى 5 سنوات)، كان الأطفال الأكبر سنًّا (من 6 إلى 10 سنوات) أكثر عرضةً للإصابة بمشكلات سوسيو انفعالية، مثل تقلبات المزاج، والسلوك الاكتئابي، والقلق (3)، مع زيادة وقت استخدام الشاشات. وكانت الفتيات عمومًا أكثر عرضةً للإصابة بالمشكلات السوسيو انفعالية مع زيادة وقت استخدام الشاشات، بينما كان الفتيان أكثر ميلًا لزيادة استخدام وقت الشاشات عندما يتعرضون لمشكلات سوسيو انفعالية.
بحسب نوتيل، يلعب نوع محتوى الشاشة والغرض من استخدامها دورًا أيضًا. فقد اقترنت الألعاب الإلكترونية بمخاطر أعلى مقارنةً باستخدام الشاشات لأغراض تعليمية أو ترفيهية. كما أن الأطفال المصابين بمشكلات سوسيو انفعالية كانوا أكثر عرضةً للجوء إلى الألعاب باعتبارها وسيلة للتكيف والهروب من هذه المشكلات.
وأفد نوتيل بأن النتائج تُشير إلى ضرورة توخي أولياء الأمور الحذر بشأن وقت استخدام الشاشات التي يسمحون لأبنائهم بقضاء وقت في استخدامها، وإلى ضرورة استخدام أدوات الرقابة من قبل أولياء الأمور لإدارة وقت استخدام أطفالهم لها. لذا، ينبغي على أولياء الأمور الانتباه إلى نوع الأنشطة التي يمارسها أطفالهم على الشاشات ومراقبتها، وقد يأخذون في الاعتبار استخدام أدوات وبرامج رقابة للحد من وقت استخدام أطفالهم لها. مع ذلك، تُشير الدراسات إلى أن مجرد تقييد استخدام الشاشات لا يكفي، فالأطفال الذين يعتمدون عليها بشكل كبير قد يحتاجون أيضًا إلى دعم عاطفي من أولياء أمورهم. وقد يستفيد أولياء الأمور من برامج إرشادية تُعنى بكلٍّ من عادات استخدام الشاشات والصحة النفسية للأطفال.
كما نوّه نوتيل إلى أن الأطفال الذين يستخدمون الشاشات بكثرة قد يحتاجون إلى دعم عاطفي، وليس مجرد وضع قيود على استخدامهم لها. ويمكن لأولياء الأمور الاستفادة من برامج وورش تدريب، أو استشارات، أو دورات تعليمية - تعلمهم كيف يتحكمون في عادات استخدام الشاشات ودعم الصحة النفسية لأطفالهم.
أكدت الباحث الرئيس، الدكتورة روبرتا فاسكونسيلوس Roberta Vasconcellos، الأستاذ المساعد في جامعة نيو ساوث ويلز، والتي أجرت البحث أثناء دراستها للدكتوراه في الجامعة الكاثوليكية الأسترالية، أن "هذه الدراسة الشاملة (4) تُبرز الحاجة إلى اتباع نهج دقيق لإدارة وقت استخدام الأطفال للشاشات". وأضافت: "من خلال فهم العلاقة التفاعلية بين استخدام الشاشات والمشكلات السوسيو انفعالية، يستطيع أولياء الأمور والمعلمون والمشرعون إعادة النظر في كلٍّ من مقدار وقت استخدام الشاشات وأثاره، مع مراعاة الصحة النفسية للأطفال ودعم نموهم الصحي بشكل أفضل في عالم يزداد اعتماده على التكنولوجيا الرقمية".
بحسب مايكل نوتيل، تابعت كلّ الدراسات في دراسة التحليل التلوي هذه نفس الأطفال على مدى فترة زمنية، وليس لمرة واحدة فقط. وهذا يجعل الدراسة أقرب إلى إثبات علاقة سببية (السبب والنتيجة أو العلة والمعلول) بين استخدام الشاشات والمشكلات الانفعالية لدى الأطفال مقارنةً بالدراسات الأخرى التي أجريت لمرة واحدة وأثبتت فقط تلازمًا بينهما (لا علاقة سببية).
ومع ذلك، يوضح الباحث أنهم لم يستطيعوا إثبات السببية علميًّا بشكل قاطع من النتائج، لأنهم لم يُجروا تجربة يختارون فيها عشوائيًّا آلاف الأطفال، ويُجبرون بعضهم على تقصير طول وقت استخدام الشاشات بينما يستمر آخرون في استخدام الشاشات بشكل طبيعي، ثم يقارنون النتائج. لكن تجربة ذلك سيكون صعبًا ومكلفًا جدًّا، وربما غير أخلاقي. لذا، بدلاً من ذلك، تابع الباحثون الأطفال على مدار فترة زمنية طويلة، وهي أقرب طريقة عملية لإثبات ما إذا كانت العلاقة السببية دون الحاجة إلى إجراء تجربة منضبطة معشاة (5). وقد تؤثر عوامل أخرى، مثل أسلوب التربية أو البيئة المنزلية، في كلٍّ من مقدار استخدام الأطفال للشاشات ومشكلاتهم الانفعالية.
ملخص
وجدت هذه الدراسة علاقة بين الإفراط في استخدام الشاشات والمشكلات الانفعالية لدى الأطفال. وقد خلصت الدراسة إلى أن الأطفال الذين يقضون وقتاً أطول أمام الشاشات أكثر عرضةً للإصابة بمشكلات انفعالية وسلوكية، مثل القلق والاكتئاب والعدوانية وفرط النشاط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- https://www.apa.org/pubs/journals/releases/bul-bul0000468.pdf
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/تحليل_تلوي
3- https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC3755554/
4- https://ar.wikipedia.org/wiki/الاختبارات_الشاملة
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/تجربة_منضبطة_معشاة
المصدر الرئيس
https://www.apa.org/news/press/releases/2025/06/screen-time-problems-children
وقت الشاشة والمشكلات الانفعالية لدى الأطفال: حلقة مفرغة؟
عدنان الحاجي
معنى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ..﴾
الشيخ محمد صنقور
معرفة الإنسان في القرآن (13)
الشيخ مرتضى الباشا
معنى (نكل) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
مميّزات الصّيام
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الدم الزاكي وأثره على الفرد والجماعة
الشيخ شفيق جرادي
البعث والإحياء بعد الموت
الشيخ محمد جواد مغنية
البعض لا يتغيّر حتّى في شهر رمضان المبارك، فماذا عنك أنت؟!
الشيخ علي رضا بناهيان
أبو طالب عليه السلام المظلوم المفترى عليه (3)
السيد جعفر مرتضى
شروط استجابة الدعاء
الشيخ محمد مصباح يزدي
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
عروج في محراب الشّهادة
حسين حسن آل جامع
مشكاة اللّيل
فريد عبد الله النمر
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
وقت الشاشة والمشكلات الانفعالية لدى الأطفال: حلقة مفرغة؟
معنى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ..﴾
الإمام علي عليه السلام شهيد ليلة القدر
معرفة الإنسان في القرآن (13)
شرح دعاء اليوم التاسع عشر من شهر رمضان
من لركن الدين بغيًا هدما
عروج في محراب الشّهادة
ليلة الجرح
ليلة القدر: ليلة العشق والعتق
اختتام النّسخة الثالثة عشرة من حملة التّبرّع بالدّم (بدمك تعمر الحياة)