علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
حسين حسن آل جامع
عن الكاتب :
شاعرٌ من مواليدِ القطيفِ 1384 هـ

دحض جميع الصور النمطية السلبية الشائعة عن المصابين بالتوحد

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

 

الحقائق المتجاهلة عن سعادة المصابين بالتوحد، وعن تمسكهم بالمعايير الأخلاقية، وتقمصهم الوجداني وأفكارهم الإبداعية.

 

طالما صوّرت وسائل الإعلام المصابين بالتوحد بصورة نمطية سلبية (1)، فوصفتهم بالمضحكين أو التائهين، بينما وصفهم باحثو التوحد بأنهم "أقل اجتماعيًّا (أكثر وحشية) (2)" من غير المصابين بالتوحد، وقارنوهم بالقردة والروبوتات العاجزة عن التعلم الثقافي.

 

وفي عام 2022، كشف استطلاع شامل أن 60% من باحثي التوحد ما زالوا يستخدمون لغةً في أبحاثهم تُجرّد المصابين بالتوحد من إنسانيتهم (3)، موحين بأن المصابين بالتوحد أقل تأثرًا بالبيئة الاجتماعية، أو أقل تكيفًا معها، أو أكثر "وحشية" من غيرهم، واصفين إياهم بأنهم مختلون أخلاقيًّا، وغير اجتماعيين وبلا مشاعر، ولا يتفهمون مشاعر الآخرين ولا يتعاطفون معهم، ولا يتأثرون بمعايير المجتمع، كما وصفوهم وكأنهم آلات جامدة وغير مرنة، أو يتصرفون بطريقة باردة ومبرمجة.

 

وهذا يؤكد استمرار هذه الصور النمطية السلبية وغير الدقيقة في الأوساط الأكاديمية، غير أن هذه اللغة تُقلّل من شأن المصابين بالتوحد، وتُصوّر الاختلافات الطبيعية في التواصل أو السلوك على أنها سلوكيات غير أنسانية، وليس لأنها مجرد تنوع بشري مختلف.

 

في المقابل، لا تدعم هذه الادعاءات البيانات الفعلية المنبثقة من الأبحاث العلمية، بل تثبت صورةً مختلفةً تمامًا. فعند اختبار الافتراضات، تبيّن خطأ جميع الصور النمطية الشائعة تقريبًا عن المصابين بالتوحد.

 

"دحض افتقار المصابين بالتوحد للتقمص الوجداني (تفهم مشاعر الآخرين والتعاطف معهم)":

 

الادعاء: افتقار المصابين بالتوحد لتفهم مشاعر الآخرين والتعاطف معهم والاهتمام بهم.

 

مشكلة البحث: كشف تحليل تلوي (مراجعة شاملة) أُجري عام 2025 وشكل 226 دراسة ضمت أكثر من 57 ألف مشارك، أن معظم الدراسات السابقة التي زعمت أن المصابين بالتوحد يعانون من "اضطراب نقص التقمص الوجداني "الكسيثيميا" (4) كانت مبنية على مقاربات خاطئة (5)، فقد وُجد أن معامل التقمص الوجداني (6) الأكثر شيوعًا عرضة للتحيز ويفتقر إلى الجودة السيكومترية الكافية، إذ يخلط بين التقمص الوجداني الفعلي والمهارات الاجتماعية (7) وأسلوب التواصل.

 

وبعد تحليل دراسات عالية الجودة فقط، اختفى الفرق المفترض في التقمص الوجداني بين المصابين بالتوحد وغير المصابين به. وخلص التحليل التلوي إلى أن الفرق الطفيف في التقمص الوجداني (الاستجابة العاطفية للآخرين) غير ذي دلالة إحصائية، بعبارة أخرى، الصورة النمطية القائلة بأن المصابين بالتوحد لا يكترثون بالآخرين هي في الغالب نتيجة لتصميم تجارب بحثية رديء ولا تمثل دليلاً علميًّا.

 

طالما كان الباحثون يخلطون خطأً بين الاختلافات في أسلوب التواصل واضطراب نقص التقمّص الوجداني، مما تسبب في تضخيم حجم التأثير بشكل كبير، وأدّى إلى توهم وجود اضطراب نقص في التقمص الوجداني لدى المصابين بالتوحد، بينما في الواقع لم توجد لديهم هذه المشكلة.

 

الأدلة السلوكية على الاهتمام بالآخرين: عندما تجاوز الباحثون الاستبيانات المعيبة وقاموا باختبار سلوك التقمص الوجداني في الحياة الواقعية - مثل مدى السخاء في العطاء، تناقضت النتائج مع فكرة اضطراب نقص التقمص الوجداني. على سبيل المثال، قاسَت بعض الدراسات السخاء تجاه الأقارب والغرباء - وهو اختبار سلوكي للتقمص الوجداني. أظهر الراشدون (20 سنة وأكبر) المصابون بالتوحد سخاء تجاه أقاربهم لا يقل عن سخاء الراشدين غير المصابين بالتوحد، بل وأكثر سخاءً مع الغرباء. وقد حصل الباحثون على نفس النتيجة في المملكة المتحدة واليابان وألمانيا. والنتيجة هي أن الصورة النمطية التي تدعي أن المصابين بالتوحد يعانون من اضطراب نقص التقمص الوجداني لا تدعمها أدلة سلوكية رصينة.

 

بالإضافة إلى حقيقة أن المصابين بالتوحد لا يعانون من اضطراب نقص التقمص الوجداني، فقد ثبت أنهم يظهرون اهتمامًا أخلاقيًّا واسعًا، إذ لا يقتصر اهتمامهم على أقربائهم وجماعتهم فحسب، بل يشمل أيضًا غير جماعتهم والغرباء (8). فبدلاً من افتراض الباحثين وجود اضطراب نقص التقمص الوجداني لدى المصابين بالتوحد، وجدوا أنهم يطبقون المبادئ الأخلاقية من الإنصاف والعدالة بشكل أكثر اتساقاً، حتى مع الغرباء، وحتى وإن كان على حسابهم الشخصي، في عالم يسوده التحيز لأفراد الجماعة (محاباة الجماعة) (9) واستبعاد الآخرين، لكن هذا لا يُعد نقصاً في التقمص الوجداني. فالاهتمام الأوسع والأخلاقي ليس نقطة ضعف، بل هو نقطة قوة - نوع من الحماية الاجتماعية التي تعزز الإنصاف والعدالة بعيدًا عن التحيز للجماعة. فقد كان الباحثون يعتقدون في البداية أن المصابين بالتوحد لديهم قصور في التقمص الوجداني وضعف في الجانب الاجتماعي أو الأخلاقي، ولكن بعد أن تحققوا، اكتشفوا أن المصابين بالتوحد غالبًا ما يلتزمون بقيمهم الأخلاقية مع جماعتهم وغير جماعتهم - بمعنى آخر، ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه قصور قد يكون في الواقع التزامًا قويًّا بالاتساق الأخلاقي (تطبيق نفس المعايير الأخلاقية في جميع الحالات والأوضاع، لا بناءً على المنفعة الشخصية أو العاطفة أو الولاء للجماعة).

 

"ادعاء أن المصابين بالتوحد يفتقرون إلى الإبداع والخلاقية" ادعاء خاطئ

 

الادعاء بأن المصابين بالتوحد يفتقرون إلى الخيال والتفكير الإبداعي لا أساس علميًّا له. والدليل على أن المصابين بالتوحد مبدعون في جميع المجالات، من المجالات التقنية إلى الفنية وقد يكونون مبدعين تمامًا مثل غير المصابين بالتوحد. على سبيل المثال، في دراسة حول استخدام الاستعارات (10)، تساوت قدرة الراشدين المصابين بالتوحد مع قدرة الراشدين غير المصابين بالتوحد على التعرف على الاستعارات بنفس الكفاءة التي تعرف عليها غير المصابين، وغالبًا ما أنتجوا استعارات أكثر تميزًا وإبداعًا، وهذا دليل على إبداعهم اللفظي.

 

وفي دراسة أخرى، أنتج الأطفال والمراهقون المصابون بالتوحد عددًا أكبر من الاستعارات الإبداعية مقارنة بالمشاركين غير المصابين بالتوحد، بل وأحيانًا أكثر أصالة في أفكارهم الإبداعية، بالرغم من أن بعض الاختبارات التي طبقها الباحثون أظهرت أن المصابين بالتوحد أنتجوا عددًا أقل من الأفكار إجمالًا، إلا أن هذه الأفكار التي أنتجوها بدت أكثر أصالة وإبداعًا. قد يبدو إبداع المصابين بالتوحد مختلفًا في الأسلوب أو الكمية، ولكنه قد يكون أكثر أصالة بشكل ملحوظ.

 

"دحض فرضية أن المصابين بالتوحد يفتقرون إلى الحساسية الأخلاقية":

 

الادعاء: أن المصابين بالتوحد يفتقرون إلى الفهم الأخلاقي (القدرة على إدراك سبب كون بعض الأفعال أخلاقية أو غير أخلاقية، بدلاً من مجرد معرفة أنها كذلك (11)) والضمير (12).

 

غالبًا ما يلتزم المصابون بالتوحد التزامًا قويًّا بالمبادئ الأخلاقية، ويقلّ احتمال لجوئهم إلى سلوكيات غير أخلاقية لتحقيق مكاسب شخصية. في التجارب التي أُتيحت فيها للمشاركين فرصة الربح المادي من خلال سلوكيات غير أخلاقية، كان المصابون بالتوحد أكثر ميلًا لرفض الخيار غير الأخلاقي، حتى في غياب الرقابة أو تكبدهم خسائر مالية. وهذا يُشير إلى أن قراراتهم تُوجّهها مبادئهم الأخلاقية الراسخة، وليست بسبب ضغوط اجتماعية أو للحفاظ على سمعتهم، مما يُفنّد فكرة افتقارهم للحساسية الأخلاقية.

 

بعض الباحثين أساءوا فهم سمة شائعة لدى المصابين بالتوحد، ألا وهي التمسك القوي والمستمر بالمبادئ الأخلاقية. فبدلاً من اعتبار هذا التمسك الأخلاقي سمة إيجابية، وصفوه بأنه اهتمام مفرط وغير طبيعي بالمعايير الأخلاقية، وذلك بسبب تحيز هؤلاء الباحثين الراسخ، الذي يفترض أن التوحد سلبي بطبيعته، ما دفعهم إلى تصنيف سلوكيات قد تكون في الواقع نقاط قوة، مثل سمة الضمير الحي (12)  والعمل وفقًا للمبادئ الأخلاقية، على أنها اضطرابات، بحسب ما ذكره بمزيد من التفصيل في كتابه "The Canary Code: A Guide to Neurodiversity, Dignity, and Intersectional Belonging at Work (13)".

 

بالرغم من أن المجتمع غالبًا ما يصف الاختلافات بين المصابين بالتوحد وغير المصابين به (غير المصابين بالتوحد) بأنها نقاط ضعف أو قصور أو نقص، إلا أن الدراسات تشير إلى أن المصابين بالتوحّد قد يكونون في الواقع أقوى التزامًا من الناحية الأخلاقية في أماكن العمل. فهم يميلون إلى إيلاء اهتمام أكثر للقضايا الأخلاقية، ويقل احتمال تجاهلهم للمخالفات القانونية أو التغاضي عنها. وبناءً على هذا الرأي، فإن السلوكيات التي تُصنف أحيانًا على أنها "قصور" اجتماعي أو إدراكي قد تعكس في الواقع التزامًا أوضح وأكثر مباشرة بالمبادئ الأخلاقية والإنصاف.

 

الادعاء: حياة المصابين بالتوحد حزينة بطبيعتها، وكئيبة، وتحتاج إلى علاج.

 

الدليل: الصورة النمطية السائدة بأنّ المصابين بالتوحّد يعيشون حياةً حزينةً أو خاليةً من السعادة. وهذا خلاف ما أثبته دراسة (14) عندما سأل الباحثون مصابين بالتوحد عن تجاربهم الشخصية، وجدوا أن 94% منهم يستمتعون بجوانب من كونهم مصابين بالتوحد. وأفاد ثلثاهم بأنهم يشعرون بالسعادة في كثير من الأحيان. والأهم من ذلك، أن 80% منهم يعتقدون أنهم يشعرون بنفس المستوى من بالسعادة، ولكن بشكل مختلف عن غير المصابين بالتوحد.

 

الكثير من الأعواض التي تُصنّف عادةً على أنها "أعراض توحّد" هي في الواقع مصادر رئيسة للسعادة لدى المصابين بالتوحد.

 

·       أفاد 95% منهم بانغماسهم التام (حالة من التركيز العميق) في الأنشطة التي يحبونها، وهي حالة انغماس تجلب لهم رضا عميقًا.

 

·       اعتبر 93% منهم حالات الشغف أساسية لسعادتهم وطاقتهم.

 

·       وجد ما يقرب من 90% منهم متعة في تعلم أشياء جديدة والتعمق في المواضيع التي لديهم شغف في تعلمها.

 

·       الأشياء الحسية يمكن أن تشعرهم بمتعةً بالغة، ومنها الألوان الزاهية، والملمس المختلف، والحركة، والموسيقى، التي يشعر بها بقوةٍ في جميع أنحاء جسده، لا فقط بسماعها.

 

·       تكرار نفس الأشياء والالتزام بروتين ثابت قد يكون مُرضيًّا جدًّا بالنسبة لهم، اذ لا يشعرون بالملل من التكرار، بل يستمتعون بذلك. تكرارهم للأفعال بنفس الطريقة قد يكون مريحًا ومهدئًا لهم، لا يشعرون حياله بالملل.

 

كشفت دراسة حديثة عن وجود عوائق أمام الهناء النفسي wellbeing للمصابين بالتوحد، سواءً كانوا راشدين أو مراهقين. وأفاد المشاركون في هذه الدراسة بأن هذه العوائق لا تتعلق بسمات التوحّد، بل بعوامل بيئية، ومنها التنمّر، وقلة فهم الناس لهم، والبيئات الحسية غير الملائمة لطبيعتهم، مثل الإضاءة الساطعة والضوضاء الصاخبة، والنبذ الاجتماعي بسبب كونه مصابًا بالتوحد، والتحيّز ضده وإجباره على وضع كمامة، كلها عوامل تُسبب التوتر والمعاناة. بعبارة أخرى، العوائق الرئيسة التي تحد من هنائهم النفسي تنبثق من المجتمع والبيئة المحيطة، وليس من التوحد نفسه.

 

نمط التحيز الكامن وراء الأخطاء التي يرتكبها الباحثون في وصفهم سلوكيات المصابين بالتوحد

 

يُعدّ التحيز أحد أسباب فشل عقود من الدراسات في فهم التوحد. فقد قارن الباحثون المصابين بالتوحّد وفقًا لمعايير غير المصابين به، وافترضوا أن أي اختلاف يمثل مشكلة عند المصابين، واعتبروه نقصًا. ولما قاسوا التقمّص الوجداني بقياس محابة الجماعة (التحيز للجماعة)، أغفلوا التزامهم بالعدالة التامة. وقاسوا الإبداع بحساب عدد الأفكار، وأغفلوا الأصالة في الأفكار المولدة. ورأوا اتساقًا أخلاقيًّا، فوصفوه بالجمود. ورأوا انغماسًا وتركيزًا عميقًا، فوصفوه بالجمود. ورأوا ثراءً حسيًّا (تجارب حسية قوية، مثل الألوان الزاهية، والملمس المختلف، والحركة، والموسيقى)، فوصفوه بالاضطراب.

 

والأهم من ذلك، أنهم لم يسألوا المصابين بالتوحد عن أحاسيسهم الداخلية. فقد درسوا التوحد دون الإصغاء بصدق إلى وجهة نظر المصابين به. ولعقود، درس الباحثون المصابين بالتوحد من منظور المرض والنقص، لا من منظور الكرامة، وقارنوهم بالحيوانات متجاهلين إنسانيتهم. لكن المصابين بالتوحد لا يفتقرون إلى الإنسانية، بل الدراسات هي التي افتقرت إلى الإنسانية حين نظرت إلى المصابين بهذه النظرة المتحيزة، مما أدى إلى سوء فهمهم للتوحد، وتعاملهم معه باعتباره مرضًا بدلًا من الاعتراف بإنسانية المصابين به وكرامتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- https://www.psychologytoday.com/us/basics/autism/amp

2- https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/27621700/

3- https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2022.1050897/full

4- https://ar.wikipedia.org/wiki/لامفرداتية

5- https://www.psychologytoday.com/us/blog/positively-different/202509/the-autism-and-empathy-myth-what-the-science-really-says/amp

6- https://ar.wikipedia.org/wiki/معامل_التقمص_الوجداني

7- https://neuronup.com/ar/مجالات-التدخل/المهارات-الاجتماعية/

8- https://link.springer.com/article/10.1186/s13229-024-00591-8

9- https://ar.wikipedia.org/wiki/تفضيل_أفراد_الجماعة

10- https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/25157225/

11- https://www.journals.uchicago.edu/doi/10.1086/690011

12- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/ضمير

13- https://www.penguinrandomhouse.com/books/742858/the-canary-code-by-ludmila-n-praslova-phd/

14- http://https://www.psychologytoday.com/us/blog/positively-different/202506/what-brings-autistic-people-joy/amp

المصدر الرئيس

https://www.psychologytoday.com/us/blog/positively-different/202601/what-the-world-got-wrong-about-autistic-people/amp

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد