قرآنيات

في رحاب سورة الناس: كيف تتم الاستعاذة الحقيقية؟ (1)

 

مرتضى السيد حيدر شرف الدين .. 


1-عن رسول الله ص: مَن قرأ هذه السورة على ألمٍ سكن بإذن الله تعالى وهي شفاء لمن قرأها .
2-وعنه ص: مَن قرأها عند النوم كان في حرز الله تعالى حتى يصبح، وهي عوذة من كل ألم ووجع وآفة، وهي شفاء لمن قرأها .
3-وعن الإمام الصادق : مَن قرأها في منزل كل ليلة أمِن من الجن والوسواس، ومن كتبها وعلَّقها على الأطفال الصغار حُفِظوا من الجان بإذن الله .


أسباب النزول:
روى الفضل بن يسار قال : سمعت أبا جعفر يقول : إن رسول الله ص اشتكى شكوى شديدة ، ووجع وجعا شديدا، فأتاه جبرائيل وميكائيل ، فقعد جبرائيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، فعوذه جبرائيل ب{قل أعوذ برب الفلق }، وعوذه ميكائيل ب{قل أعوذ برب الناس} .
وأما ما رواه جمهور مفسري العامة ومحدثيهم في سبب نزولها من أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبي ص في إحدى عشرة عقدة وفى وتر دسه في بئر يقال لها ذوال فمرض رسول الله ص، واشتد عليه ذلك ثلاث ليال فنزلت المعوذتان لذلك ، وأخبره جبريل بموضع السحر فأرسل عليا ع ، وطلحة وجاءا به ، وقال جبريل للنبي حل عقدة واقرأ آية ففعل وكان كلما قرأ آية انحلت عقدة فكان يحد بعض الخفة .
حتى روى في ذلك بعض محدثيهم أنه كان يتوهم أنه فعل الشيء وهو لم يفعله. فهو وإن حاول بعض المفسرين توجيهه إلا أنه منكر عند أهل العقل من المسلمين ؛شيعة ومعتزلة؛ لإيجابه تصديق المشركين في افترائهم على النبي ص في قولهم {إن تتبعون إلا رجلاً مسحورا} . إلى غيرها من النقاشات.
ثم إنه مع وجود رواية لا تنافي اعتقادنا بعصمة النبي ص ولا توهم غلبة السحر على عقله وتأثيره على جسده فلا داعي لتعلل التوجيهات لما ورد عن غير طريقهم.
{قل أعوذ برب الناس} الخطاب موجه ظاهراً إلى النبي ص، وفي الحقيقة إلى عامة الناس، لأن النبي ص لا يتعرَّض للوسوسة لأنه مصطفىً ومخلَص فلا يتعرض له الشياطين، وذلك لتعهد إبليس أمام الله تعالى
 {فبعزتك لأغوينَّهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلَصين} .
فهو يقول: احتمِ والجأ إلى خالق الناس ومدبِّرهم وسيدهم والقادر عليهم.
والعوذ هو الالتجاء حال الشعور بالخطر، وهو لا يكون إلا إلى الأقوى والأقدر والمستغني والذي يهتم لأمرنا ويساعدنا ، ومن سوى الرب كذلك.
أما لماذا استخدم صفة الرب أولاً؟
فلأنها أقرب صيَغ السلطة والولاية؛ فالرب هو ولي الأمر والمدبِّر والمربي والمرجع في الحوائج العمّة، فهو أقرب السلطات إلى الإنسان. وبما أنه مربّيه فهو الحريص على كماله، فلن يسمح لشيء أو أحد أن يُفسِد من رباه، ولذا استعاذ به بما هو ربه.
وقد استخدم تعبير {رب الناس} في خطوة لطمأنة الإنسان إلى أنه يدبِّر أمر الناس جميعاً، فلن يقصُر عن حمايته.
وقد استخدم صيغة المتكلم {أعوذ} دون المتكلمين (نعوذ) لإضفاء جو من الحرارة على الدعاء، فالإفراد يوحي بضعف الداعي بعكس الجماعة.
{ملك الناس}
الملك ذو القوة والسلطان والقدرة البالغة والحكم النافذ، فهو المهيمن على الناس، المتصرف بهم، القادر عليهم.
ومعنى الملك لغة هو مدبِّر من يشعر بالتدبير، ولهذا استعمل تعبير {ملك الناس} وليس (مالك الناس) لأن المالك هو مدبِّر من لا يشعر بالتدبير؛ فنقول: مالك الكتاب، وليس: ملك الكتاب. ونقول: ملك الناس، وليس: مالك الناس.
أما الفائدة من إضافة وصف {ملك الناس } إلى وصف {رب الناس} فتوسيع رقعة الهيمنة الإلهية ، فالملك أعلى من الرب، فكل ملك رب وليس كل رب ملكا، فرب البيت ليس ملكاً.
وبما أن الملك أعلى من الرب فإن الإنسان لا يشعر بملكية الله إلا إذا وصل إلى درجة التقوى، فعندها يستعيذ بالله من حيث هو ملك خضوعاً لملكه.
{إله الناس}
الإله هو الذي يجب على الناس عبادته لأنه يستحق العبادة دون غيره. فهو الخالق المبدع والمصور والقابض والباسط. 
وقد أضافه إلى الملك لأنه أوسع سلطة، فملكه ليس مجرد حيازة وتدبير، بل فيه عبودية تخوله التصرف بالعباد فيحييهم ويميتهم.
ثم إن هذه الصفة هي التي تحصر حق الاستعاذة به تعالى، فهو الإله المعبود الأوحد الذي لا يستعاذ إلا به.
والاستعاذة به من حيث هو إله عهد بالسير على طريق العبودية.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد