علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ جعفر السبحاني
عن الكاتب :
من مراجع الشيعة في ايران، مؤسس مؤسسة الإمام الصادق والمشرف عليها

فلسفة الفقه (1)

 

الشيخ جعفر السبحاني
تعني لفظة ((الفلسفة)) عندما ترد مفردة دون إضافةٍ: ((معرفة الوجود))، وإذا أضيفت إلى لفظة أخرى، كما لو أُلحقت بها كلمة ((التاريخ)) مثلاً، فإنّها تكتسب معنى آخر يتناسب مع ما يعكسه المركب الجديد؛ فالتاريخ هو العلم الذي يبحث في أحداث ووقائع العالم وعللها ونتائجها بشكل مقاطع، في حين تهتم ((فلسفة التاريخ)) بالسُّنَن العامة التي يسير التاريخ وفقاً لها. فعندما ينظر المؤرخ إلى التاريخ نظرة تجزيئية مرحلية، ينظر باحثو فلسفة التاريخ إلى ((تاريخ العالم)) نظرة عامة، ترمي إلى مناقشة قوانينه واستكشاف سننه. وكنموذج لذلك: فالبحث في السبب الذي أدى إلى انتصار المسلمين وانكسار المشركين في ((بدر))، بحثٌ تاريخي، بينما البحث في كون التاريخ خاضعاً لقوانين وسنن، بحثٌ مختص بفلسفة التاريخ؛ أو أن البحث في العامل الموجِّه للتاريخ، أَهو واحد، كأن يكون الاقتصاد مثلاً، أو متعدد؟ يُعدّ من بحوث فلسفة التاريخ.
نفس هذا القول ينطبق على ((الفقه)) و ((فلسفة الفقه)). فالفقه يبحث في ((أحكام فعل المكلف))، ويقنن الحلال والحرام، ويرسم حدود حركة الإنسان، بينما يجري البحث في ((فلسفة الفقه)) عن المبادئ التصورية والتصديقية للأحكام وخصائصها وأهدافها.
فعندما يبحث الفقيه في تفريعات المسائل ويدرسها واحدة واحدة، يُلقي باحث فلسفة الفقه نظرة شمولية تتناول الفقه ـ الذي هو أحكام الله ـ ككل، فيصنِّف أحكامه إلى واقعية وثانوية، وتكليفية ووضعية، ويحدد نطاق الثابت منها ونطاق المتغير، كما ويبين علاقة الفقه بالعلوم الأخرى؛ وهو ما قد نجد بعضه مبثوثاً في علم الأصول، أو في غيره من العلوم، لكن فلسفة الفقه كعلم، يمكن القول إنها علم حديث الظهور، لذا ينبغي إعارته اهتماماً أكبر وإدخاله وتدريسه لطلبة مدارس الفقه.
كانت هذه مقدمة بدأنا بها تمهيداً لمناقشة مقال صدر مؤخراً لأحد الكتاب في مجلة ((كيان)) العدد ٤٦، دار حول خصائص الفقه الإسلامي، وكان مقالاً نقدياً، وهو ما نرحب به، لأننا نعتبر النقد طريقاً للتكامل، ففي رحم تضارب الأفكار تولد الحقيقة، وفي أحضانها تترعرع. إليك مناقشة النقاط النقدية التي أثارها المقال نطرحها بصيغة أسئلة:

السؤال الأول
بما أن الفقه علم بشري، فإنه يبقى ناقصاً وقابلاً للتكامل. ولا يختص ذلك بنفس مسائل الفقه، بل بإمكان تطورات علم الأصول أن تحدث نقلات نوعية في علم الفقه، لذا لا وجه لادّعاء تكامله.
الجواب: أُثيرت في هذا السؤال قضيتان:
١_ أن الفقه علم بشري.
٢_ أن الفقه علم غير كامل.
حسناً، لنناقش هاتين النقطتين: إن كان المقصود من الفقه الذي اعتبره علماً بشرياً، هو ((الكتب الفقهية))، فلا شك أن كتب الفقه عبارة عن عصارة تدبُّر الفقهاء الأعلام في الكتاب والسنة وسواهما من مصادر الفقه. وإن كان المقصود منه ((مصادر القفه))، فلا شك أن الكتاب والسنة، كمصدرين للفقه، لا علاقة لهما بالعلم البشري، لأن منشأهما الوحي الإلهي.
أمّا القول بنقص أو كمال الفقه فله معنيان أيضاً، فإما أن يُقصد به أن الفقه بشكله الراهن لا يستوعب مستحدثات المسائل. فهذا قول من يرى أن باب الاجتهاد مسدود، لأن توقف الاجتهاد يجعل الفقه عاجزاً حقاً عن رفد ما يستحدث من المسائل بالأحكام اللازمة، لكنّ هناك من يعتقد ببقاء باب الاجتهاد مفتوحاً، وهؤلاء يرون أن الفقه قادر على تلبية كل متطلبات البشرية، ولا معنى للنقص في هذه الصورة.
وإن كان المراد منه أن الفقه الحالي بفكره المحدود عاجز عن تقديم إجابات لأسئلة سيأتي بها القرن المقبل، وذلك لعدم توفره على علم مسبق بالموضوعات التي سيطرحها القرن القادم، فهذا قول صائب، لكنّ هذا ليس عيباً في الفقه، لأن الفقه قادر على مواكبة قضايا القرن القادم في ضوء ما يتمتع به الكتاب والسنة من عمق وسعة، كما كان حاله في هذا القرن والقرون التي قبله.
نحن ندعي كمال الدين لا كمال الفقه، وكمال الدين بإمكانه في كل عصر أن يرتقي بالفقه إلى حد الكمال، فلو عجز فقه عصرٍ ما عن الإجابة، لعدم اطلاعه على مستحدثات المسائل، فسيكون فقه العصر اللاحق قادراً على ذلك باستناده إلى الكتاب والسنة. ومن له معرفة بالفقه الإسلامي، يعلم أن الشيخ الطوسي رغم أنه كان أعظم فقهاء عصره، إلا أن أهم كتبه الفقهية وهو ((المبسوط)) لا يناهز مستواه مستوى كتاب ((الجواهر))، هذا بالرغم من أن صاحب الجواهر كان يرى نفسه تلميذاً للشيخ الطوسي، والسبب في ذلك أن الفقه قد شهد مع مرور الزمن تطوراً من خلال التدبر والتعمق في الكتاب والسنة.
السؤال الثاني
إن الفقه علمٌ تابع، أي أنه ليس واضعاً لبرنامج، ولا دخل له بصياغة المجتمع، فأحكامه إنّما تصدر بعد أن يأخذ المجتمع شكله ويكتسب طابعه الخاص. فالفقهاء لم يبتكروا التأمين، ولا الانتخابات، ولا تقسيم سلطات الدولة، كما لم يلغوا الرق، ولا نظام الإقطاع… بل على العكس، فقد اتخذوا مواقف سلبية من جميع ذلك أولاً، ثم خضعوا لها بالتدريج رغماً عنهم.
الجواب: يعود هذا السؤال إلى نقطتين:
١_ أن علم الفقه تابع.
٢_ أن الفقه ليس واضعاً لبرنامج، ولا دخل له بصياغة المجتمع.
أمّا الأول فهو صحيح إذا قصد منه أن وظيفة الفقه هي بيان حكم ما يظهر في الحياة من موضوعات. وبعبارة أخرى: إن الفقه لا دخل له بصناعة الموضوعات، لأن المجتمع والطبيعة هما اللذان يفرزان الموضوعات، ثم يأتي الفقه في المرحلة اللاحقة لظهور الموضوعات ليصدر الأحكام بشأنها، ولا يدعي الفقه الإسلامي أكثر من ذلك. فمثلاً ((التأمين)) الذي لم يكن موجوداً من قبل، عندما ظهر في المجتمع انبرى الفقيه ليفتي بحكمه في ضوء الاجتهاد والتعمق في مصادر الفقه. وهكذا ((بيع وشراء الأسهم))، إذ لم يبيِّن الفقه حكمه قبل وجوده، لكنه فعل ذلك عندما ظهر في المجتمع. وهذا الأمر ليس مدعاةً للانتقاص من الفقه، بل هو دليل على طاقته الذاتية الكامنة في رفد موضوعات الحياة بالأحكام دون تلكؤ.
أمّا كون الفقه ليس واضعاً لبرنامج فهو غير دقيق من ناحيتين: أولاً: إن القائل بهذا اقتصر في نظره على مسائل الحلال والحرام، ولم يلتفت إلى السنن والمستحبات المبثوثة في مختلف أبواب الفقه، والتي هي جميعاً مؤسِّسة، أي أنها تعطي نموذجاً لما ينبغي أن تكون الحياة عليه. فالقسم الأعظم من روايات كتاب المعاشرة تحمل هذا المعنى.
ثانياً: إن توقّعنا وضع الفقه لبرنامج للمجتمع، يشبه توقعنا حل المشاكل الفيزيائية من قبل علم الكيمياء، وهو توقع ليس في محله. فالإسلام لم يأت ليجمد جميع الأفكار والتطلعات، وينفرد في ميدان الحياة يحدد لكل شيء مهمته، بل لقد دعا الإسلام المجتمع إلى التفكر والتدبر والتخطيط والسعي والتشاور في شؤون حياته. ثم يأتي دور الفقه في صيانة التخطيط بفرز الجائز من غير الجائز. وهذا هو سر خاتمية الإسلام، حيث اكتفى في دعوته بالعموميات، وأوكل التفاصيل إلى مقتضيات الزمان، ولو أنه كان قد وضع برنامجاً عاماً منذ اليوم الأول، لما انسجم تخطيطه مع جميع صيغ الحياة بلا شك.


وما نسبه صاحب المقال إلى الفقهاء من المواقف السلبية إزاء تحرير العبيد وإلغاء نظام الإقطاع، كلام لا أساس له. لأن إحدى موارد صرف الزكاة التي عيّنها الإسلام هي ((عتق رقبة العبد))، هذا فضلاً عن أنه جعل عتق الرقبة كفّارة للذنوب، أمّا ما بَدَر من فقهاء الإسلام في بعض الموارد، عندما تصدوا لبعض الدعوات التي ظاهرها الإصلاح، فذلك لاطلاعهم على أن حقيقة الأمر تخالف ظاهره. فتقسيم الأراضي في إيران مثلاً، كان الهدف منه توجيه ضربة إلى الزراعة كي يصبح البلد تابعاً للغرب بالكامل، وهو ما حدث بالفعل. إذ أُلغيت الإدارات التقليدية السابقة، دون تقديم البديل لها، مما أوجد ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدينة، التي شكلت بداية مرحلة التخلي عن الزراعة…
ودَع عنك نَهْباً صِيحَ في حَجَراتِهِ
ولكنْ حديثاً ما حديثُ الرَّواحلِ
ففي عام ١٩٥٩ عندما بدأ الحديث عن استصلاح الأراضي، وتصدى له المرحوم آية الله البروجردي، سمعت من الإمام (الخميني) قوله: ((إن الشاه يريد تدمير زراعة البلد، ولا شأن له باستصلاحها.)) وعليه فالفقهاء كانوا على طول التاريخ مخالفين للظلم والحرام، مدافعين عن أوامر الله وفرائضه.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد