قراءة في كتاب

إستراتيجيّات الثّقافة


ربى حسين

الإسلاميّة في عالم اليوم
جُمعت كلمات المؤتمر الثاني للتجديد والاجتهاد الفكري عند الإمام الخامنئي تحت العنوان أعلاه كبحث موثّق يلقي الضّوء على دور الثّقافة الدّينيّة والعلماء كركيزة لتنمية المجتمع المسلم الصّلب في ظلّ الموجات الثّقافيّة الغربيّة الدّخيلة. كما وعرض لتجارب الحركات والجمعيّات الإسلاميّة لافتًا إلى دورها في المجال السّياسي والاجتماعي، ردًّا على ممارسات حركات التّطرّف التّكفيري تجاه الإسلام والمسلمين. فنحن كأبناء منطقة يلزمها انتهاج سياسة توحيد الوجهات والقضايا والمفاهيم والرؤى في مشروعها التحرري.

الاستراتيجيّات المعاصرة للثّقافة
ومن أولى الاستراتيجيّات هي مهمّة تعريف النّاس على هويّة الدّين الّذي يوجّه الإنسان إلى حسن الأداء في الدّنيا. أشار البحث الى أن تصحيح المفاهيم الإسلاميّة من أهم دعائم بناء دولة قويّة قادرة على إدارة شؤون المسلمين. وهنا تتبلور الحاجة الى ضرورة استيعاب العلماء لمتطلّبات المجتمع وتطلّعاته المستقبليّة، بما أنّ الشّباب يتأثّر بالنّظريّات الغربية. وقد أعطى سماحته أساتذة العلوم الإنسانيّة مهمّة مناقشة المنهج الغربي الحالي ونقد نظريّاته أمامهم لقطع شكّهم بيقين أتى به الرّسول الأكرم (ص)، مشدّدًا على مسألة تقوية العلم الديّني والعلم المادّي الّذي يشمل تقوية العلم والتكنولوجيا والرّيادة في إنتاجهما.
كما كان للبحث إطلالة على الموانع الثّقافيّة في المجتمعات الإسلاميّة المبنيّة على الإطار المفهومي المستنبط من مفهوم الوحدة الإسلاميّة كالاكتفاء بالجانب العينيّ الواقعيّ، والغفلة عن النظريات والمباني الفكريّة. وختم هذا العنوان بالحديث عن سياسة التّواصل بين الثّقافات بحيث أنّها لا تعتبر اليوم قضية منحصرة في العالم الإسلامي فحسب، بل إنها مطروحة على الصعيد الدولي أيضًا.

إطار الثّقافة واشتغالاتها
المحور الثّاني من الكتاب انتقل للحديث عن التّوحيد، الثّقافة، والتّقدّم من منظار الإمام الخامنائي. فالدّين بصفته الرّكن الأوثق في أصول الثّقافة البشريّة، عليه توضع السّياسات العامّة لمجتمع ما. وقد تناول هذا البحث أهمّية المسجد كبؤرة التطور الإنساني – الاجتماعي في الثقافة الإسلامية، بحيث له ميزات وأداءات يمكن تطويرها في مجالات تربوية، عبادية، اجتماعية، وحتّى عسكرية.
وأضاف أنّ الّذين يتصوّرون إمكانيّة قيام حراك ثوري في مجتمع من المجتمعات دون ثقافة فهم واهمون، لأنّ الثورة ببعدها الثّقافي تعبّر عن نفسها عبر مظاهر ثقافيّة وأدبيّة وفنّية. وقد قدّم الإسلام من البداية في قالب فنّي مئة بالمئة عبر القرآن الكريم وكذلك فعل القادة في الإسلام فمالوا إلى الشّعر باعتباره القالب الفنّي الأكثر رواجًا حيث شجّع الرّسول (ص) على ذلك حتّى لا يسجّل التّاريخ كلام الخصم فقط.

خصائص الثّقافة الرّساليّة
وكان للكتاب وقفة مع الخصائص الثّقافيّة الإسلاميّة مفصّلًا كلّ منها مبتدأً بالاجتهاد كمنبع للحداثة ومجاراة للعصر في الثّقافة الإسلاميّة. وكان لمسألة المهدويّة نصيبًا من البحث على اعتبارها استراتيجيّة حضاريّة ثقافيّة على ضوئها يمكن السّعي لتوضيح مقولة صراع الحق والباطل كمفهوم محوري ذات منحى مغاير تمامًا لتاريخ الحضارة. وقد تمّ عرض أبرز معايير الثقافة الإسلاميّة ومصادرها في النّهضة المعاصرة المتمثّلة باللّغة العربيّة، التّراث الإسلامي، والمؤسّسات العلميّة البحثيّة المعاصرة والإمكانيّات الثّقافيّة المتاحة.
 فصّلت مسألة الثّقافة الإسلاميّة بين العمق الشّعبي والأداء النّخبوي ضمن هذا المحور. واعتبر أنّ النخب وإن كانت تملك قوة التنظير، ولكن الجماهير الشعبية هي تستعمل عبء التنفيذ، ولهذا فلا بد من رضاها وإعجابها. وقد أثبتت التجارب الكثيرة الإسلامية وغيرها أن كل حمل يتم خارج رحم الأمة هو أشبه بالحمل الكاذب، فطاقة الأمة تكمن في المستوى الشعبي منها.
 وهنا يترتّب على المثقف الرسالي أن يكون فاعلًا وناقدًا عندما تكون هناك ضرورة للنقد البناء، وعليه أن يتابع الأحداث ويحلل الظواهر البشرية انطلاقًا من واجبه الإنساني وتكليفه الشرعي، مع التّشديد على إيجابية تفكير المثقّف ومواقفه. كما لفت إلى وجوب أمانته في طرح المعلومات ومواقفه المتجرّدة من أي حزبية أو طائفية أو مصلحة شخصية، مع امتلاكه حصانة فكرية تحميه من أية ثقافات دخيلة.

الصراع العالميّ، أزمة الهويات والأخلاق الإنسانية
هنا شدّد البحث على مسألة ثقافة حسن الظن في مقابل نشر الكراهية في الغرب. فالعالم اليوم يعاني أكثر من أي زمن آخر من خطر الإرهاب، الذي يرجع بحسب هذه المقالة على المستوى الواقعي والاجتماعي إلى تحقير هويّة المسلم المهاجر الأوروبي الذي يزداد ميلًا إلى الجماعات الدّمويّة كداعش. وأضاف مستنكرًا لو أن ّأوروبا تتوجه إلى هذا النداء العالمي للإسلام أي حسن الظنّ بجميع البشر والدعوة إلى التعايش بين الأديان من أجل إصلاح القرارات القانونية، فإنّ قضيّة الكراهيّة العنصريّة ستزول من الأساس وتنتفي قضية الاستغلال البشع من قبل أعداء البشرية الذين يسعون إلى تأزيم العالم. ومنطلق القرآن في هذا المجال صريح وبليغ: "ولا تسبّوا الذين يدعون من دون اللّه فيسبّوا اللّه عدوًّا بغير علم".

الهواجس الثّقافيّة المعاصرة
يمكن للثقافة الإسلامية أن تحافظ على هامش قدرتها، ليس في محيطها الجغرافي الطبيعي وحسب، بل أيضًا في أفق عولمة أضحت ضرورية، لأنه ثمة علاقة جدلية بينها من جانب التأثر والتأثير. ففي اللحظة العالمية التي أضحينا نعيشها، والمبنية على ثقافة السوق وديمقراطية التفاوض التجاري حيث منطق الربح والخسارة هو المتغلب في حاكمية التصور، لم يعد أمام الثقافة الإسلامية إلا أن تبني "سوقًا جيواستراتيجيًّا" تسمح لها بهيمنة في التأثير على بؤر الاقتدار العالمية.

الدّين، مصنع لبناء الإنسان
يبقى الدين أوسع وأشمل من الثقافة، بل إن الدين هو صانع للثقافة، وأن المجتمع الإسلامي النموذجي هو ذلك المجتمع الذي يتمتع بمؤشرات ثقافية دينية، وللوصول إلى نقطة ذروة التكامل الثقافي علينا أن نطوي سلسلة منطقية وفطرية يمكن تسميتها عملية تحقق الأهداف الإسلامية، ويجب أن تتكون مراحل الثورة والنظام والمجتمع الإسلامي كي تتوفر البيئة السّويّة لبناء الإنسان.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد