قراءة في كتاب

بصيرة النّخب في عين الطّوفان


ربى حسين

تَبْصِـرَةً وذِكْـرى لِـكُـلِّ عَـبْدٍ مُـنيْبٍ
هي مرحلة حسّاسة انتقل فيها العدو الاستكباري من أدوات الحرب العسكريّة الخشنة- في محاولة إلحاق الخسائر بالجبهة الإسلاميّة الحقّة- إلى الحرب النّاعمة بأشكالها الثقافية، الإعلاميّة، والنفسيّة. ومن هنا تأتي البصيرة الّتي تبني الهويّة المعنويّة للإنسان الإسلامي من إيمان ووعي وعزيمة، وقد قال تعالى: بَلِ الإنْسَـانُ عَـلـى نَفـْسِــهِ بَصـِيرَةٌ.
وعليه كان كتاب "البصيرة واجبات النّخب اتجاه الفتن" للإمام السّيد علي خامنائي، كلمات واعية ونيّرة للاستفادة من بعض التّحدّيات الحساسة الّتي مرّت بها المجتمعات الإسلاميّة، إلى جانب استلهام الأدوات الضّروريّة في سبيل تعزيز قوّة الأمّة وعزّتها وسيادتها.


مسؤوليّة النّخب
استعرض الفصل الأول من الكتاب مسؤوليّة النّخب الّتي تريد التّرشّح لأي انتخابات وقيادة المجتمعات، مشدّدًا على الالتزام بالقانون، الوحدة، وإظهار الثّقة بالبلد، معارضًا تقسيم أبناء الشّعب الواحد. "ولتعلم النّخبة: علينا جميعًا التّحلّي بالدّقة: دقيقين في مواقفنا، دقيقين فيما نقوله وفيما لا نقوله".  كما شدّد على نقطة حساسة هي الحاجة إلى الشّجاعة في الفهم إضافة إلى الشّجاعة في  العمل، هذا الوعي الصّحيح لمباني الدّين وللموضوعات الدّينيّة كما الخارجيّة منها، الملازم للانتباه إلى عدم الخوف على الأموال والأرواح وحتّى السّمعة الّتي هي كلّه بيد الله سبحانه وتعالى: "فانقلبوا بنعمة من اللّه ولم يمسسهم سوء". والخلاصة هي أن في ظل تغلغل الفكر الدّخيل على مجتمعاتنا علينا تعزيز بصيرتنا في شتّى المجالات للتمكّن من مضاعفة بصيرة المخاطبين والمستمعين وبهذا نحصّن ساحاتنا الدّاخليّة الّتي هي نواة المواجهة الخارجيّة.  


الحرب الناعمة
شدد على أن الأعداء يجتمعون ويخططون لتغيير أذهان الخواص. هذا العدو الذي يتقدم نحو الخنادق المعنويّة كالإيمان والمعرفة والعزيمة ليدمرّها. لا شكّ أننا في أمّة لديها الإمداد الالهي والعون العينيّ بلا شكّ لكن واجبنا التواجد في الساحة بيقظة.
أشار سماحته إلى مسألة النهوض العلمي الذي أوجد تقدّمًا كبيرًا وأرصدة أمل وبواعث تفاؤل أنتجت جيلًا شابًّا متوثّبًا ومتعلّمًا في وسط الساحة. ولم ينفِ وجود نقاط ضعف في بلاده لكنه رأى أن العدو يحط من قدر هذه النقاط الإيجابية والقمم المميّزة الباعثة إلى الأمل في مقابل تضخيم نقاط ضعف صغيرة موجودة باحثًا في ثناياها عن زلّات متواضعة أو هفوات غير مقصودة لإشعال لهيب الفتن. وفي هذا السّياق قال: "العقل هو أن تسحبوا أنفسكم بمجرّد أن تجدوا شيئاً بخلاف المباني الّتي تدعونها وتقولون: كلاّ، كلاّ."


واجبات الشعراء والفنانين
انتقل سماحته في الفصل الثّاني للحديث عن الاسقلال الثقافي الأعمق والأصعب الّذي هو استعادة حقيقيّة للهويّة الإسلاميّة وهنا تكون مسؤوليّة الفنّان والمتخصّص: التبليغ، وقد قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم "الّذين يبلّغون رسالات الّله ولا يخشون أحداً إلّا الله". ففي عالم الثقافة، ينبغي حل العقد وكشف الحقيقة وفتح العقد الذهنيّية وهذا يحتاج إلى البلاغة والفصاحة. البلاغة تعني الإيصال، والتبليغ هو الموصل.


  في الجامعات، يجب اليقظة ...
توسّع سماحته في الحديث إلى جيل الشّباب المتعلّم عصب الأمّة ومستقبلها الموعود معتبرًا أنّ درجة يقظتنا اليوم تؤثّر على مستوى الخسائر والأضرار. فالمسؤوليّة اليوم إيصال البلاد إلى درجة علميّة راقية من خلال الاهتمام بقضايا البحث العلمي، الإبداع، النهضة البرمجيّة، التواصل بين التّصنيع والجامعة وإخراج الجامعة من دائرة التّأثير السياسي عليها . فعلم هذه الفئة يضرّ العدو على المدى البعيد لذلك "يريدون أن لا تتعلّموا".
كما ودعا إلى التفاؤل والعزيمة أولاً وإلّا حلّ التقاعس والخمول والعزلة بسبب يأس هنا أو قنوت هناك. وضمن هذا السّياق تطرّق إلى مسألة التفكير بمنطق في وجه مناخات مضطربة بالسجال اللّفظي. فثروة أمّة ما هي ثروة علم الّذي ينتج المناعة والاقتدار.


العلماء والمبلّغون
وهنا نصح الإمام الخامنائي دام ظلّه العلماء والمبلّغين بالإجابة على الشبهات الّتي تعصف بالأمّة بشكل سريع وباستمرار، وذلك بغية تعزيز الإيمان الدّيني الرّادع لدى جيل الشباب. واعتبر أنّ من مسؤولياتهم تقديم نظريات إسلامية من أجل إدارة النّظام، ناصحًا بالبقاء في السّاحة وعدم التعصّب لدى هذه الفئة. وألقى على عاتقهم وظيفة الحفاظ على الحماس الثّوري المبصر المدرك للتحريف الّذي يقوم به العدو.


حضور التعبئة والتعبويّين
عرّف سماحته التعبئة على أنّها المجاميع المؤمنة المتواجدة في كل أنحاء البلاد، وبين جميع الشرائح. واعتبر أنّها الفئة مهمّة على صعيد مراقبة الآفات والثّغرات، والحصن المنيع في وجه مخطّطات الأعداء، والتغلغل الغربي الفكري. وقد شرح تفصيلاً العناصر الثّلاثة المهمّة لنجاح المواجهة: البصيرة، الإخلاص، والعمل المناسب بالمقدار المناسب.
"ما يلزمنا اليوم هو اليقظة ومعرفة الصّديق والعدو". هنا اعتبر سماحته أنّ من واجب عامّة الشّعب التّجمع حول الأصول، والتّمسك بها وخاطبهم "كونوا إخوة وزملاء واتركو الإجحاف". وفي السّياق لفت إلى مسألة التّقوى وعدم إفساد الباطن بالخطايا التي قد تؤدّي أحياناً إلى اللنحراف في العمل وصولاً إلى انحراف العقيدة، ناصحاً بالمراقبة الشّخصية ومراقبة القريبين "تواصوا بالحقّ و تواصوا بالصّبر".
لم يغفل سماحته من تحديد وظائف المسؤولين تجاه الشعب في زمن الفتنة بالأمّة بغية إيقاف عجلة التقدّم الاقتصادي في البلاد، كالنهوض بواجباتهم باقتدار وقوّة وحكمة في اكتساب رضا الشّعب فأعظم ثروة بالنّسبة لنظام ما أن يكون الشعب وراءه.


لا تدعو الحق يشتبه بالباطل
خاطب سماحته الشّعب قائلا: "زيدوا ما استطعتم من بصيرتكم، واسعوا إلى ترسيخها، ولا تسمحوا للأعداء باستغلال عدم بصيرتنا". أجل العدو اليوم يظهر بمظهر الصّديق، ويعرض الحقيقة بشكل باطل، والباطل في لبوس الحقيقة. وهنا يستوجب البصيرة في الهدف، البصيرة في معرفة العدو، والبصيرة في معرفة سبل التّغلّب على العقبات ورفع الموانع. فالبصيرة هنا هي مسيرة تفكّر وتدبّر يسعى الإنسان الحق اليها، وبتعبير أمير المؤمنين: "رحم الله امرءًا تفكّر فاعتبر".

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد