
خروج الإمام الحسين عليه السلام من مكة المكرمة: ولقد خرج الإمام الحسين عليه السلام من مكة المكرمة في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية الذي يستعد فيه الحجاج للخروج من مكة إلى منى لأداء مناسك الحج، وصحب معه النساء والأطفال، ولهذا الخروج دلالات عديدة.. منها:
الدلالة الأولى: الإصرار على الرفض والمقاومة للانحراف والظلم والفساد، وعدم البحث عن الأعذار للتنصل من المسؤولية الرسالية والإنسانية الملقاة على عاتقه عليه السلام، فإنه من عباد الله المخلصين الذين يستجيبون لنداء الفطرة والعقل والدين بصدق وإخلاص وتلقائية بدون تردد أو تلكأ أو ضعف أو كسل، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا تضعف مواقفهم الظنون والهواجس والحسابات المادية الضيقة، ولا يحجبهم عن الله تعالى والحق والكمالات الإنسانية والآخرة حجاب.
الدلالة الثانية – التخطيط للمعركة: فهو يعلم بأن الأعداء مصرون على قتله والتخلص من معارضته الصلبة لهم، وهو يعلم بأن مصيره إلى القتل، ولكنه لم يترك لقاتليه فرصة اختيار مكان وزمان وكيفية القتل، وكان حمله للنساء والأطفال، جزءًا من التخطيط لمستقبل المعركة وتوفير شروط نجاحها وتحقيق أهدافها، ونحن ندرك اليوم الدور الذي لعبه وجود النساء والأطفال في نجاح المعركة، فلولا وجود النساء والأطفال لما استطاعت الثورة أن تحقق أهدافها، فنجاح الثورة كان يتوقف على الفصول اللاحقة للقتل، بالإضافة إلى القتل نفسه، ولولا وجود النساء والأطفال لما سمعنا شيئاً عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام وفصولها، ولكنه التخطيط ودقة التنفيذ، هو الذي خلد لنا الثورة وأتاح للناس فرصة جني ثمارها الطيبة على مدى التاريخ الطويل، فسلام الله التام البالغ على الإمام الحسين عليه السلام، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، والسلام التام البالغ على أخته أم المصائب زينب بطلة كربلاء، التي حفظت وصية أخيها الإمام الحسين عليه السلام ونفذتها كما يجب أن تنفذ.
روي أن محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) جاء لأخيه الإمام الحسين عليه السلام في الليلة التي سار في صبيحتها إلى العراق، فقال له: عرفت غدر أهل الكوفة بأبيك وأخيك، وإني أخاف أن يكون حالك حال من مضى.. فأقم هنا، فإنك أعز من في الحرم وأمنعه، فقال الإمام الحسين عليه السلام في جوابه: أخاف أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فأكون الذي تستباح به حرمة هذا البيت، فأشار بن الحنفية على الإمام الحسين عليه السلام، بالذهاب إلى اليمن أو بعض نواحي البر، فوعده الإمام الحسين عليه السلام بالنظر في هذا الرأي، وفي سحر تلك الليلة باشر الإمام الحسين عليه السلام الخروج من مكة، فأتاه أخوه محمد بن الحنفية، وأخذ بزمام ناقته وقد ركبها وقال: ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال الإمام الحسين عليه السلام: بلى.. ولكن بعدما فارقتك، أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: يا حسين: اخرج فإن الله تعالى شاء أن يراك قتيلاً، فاسترجع بن الحنفية، وسأل الإمام الحسين عليه السلام عن حمل العيال وهو على مثل هذا الحال؟ فقال له الإمام الحسين عليه السلام: قد شاء الله تعالى أن يراهن سبايا. (مقتل الحسين عليه السلام . المقرم . ص 191 – 192).
الدلالة الثالثة: أن الإمام الحسين عليه السلام لجأ إلى خطوة سلبية مثيرة في الرفض والمقاومة تتمثل في توقيت الخروج ليهز بذلك الضمير الإسلامي وينبه المسلمين إلى خطورة الوضع القائم في الساحة الإسلامية آنذاك، وليدلل على ضرورة التنويع في الأساليب والوسائل لتحقيق الأهداف الرسالية والإنسانية المشروعة، وصدق الشاعر إذ يقول: ”لقد أسمعت لو ناديت حيًّا .. ولكن لا حياة لمن تنادي” وكان من الممكن لبعض أصحاب النفوس الضعيفة والقلوب المريضة، المحبوسين وراء المواقف المحسومة سلفاً، والمقيدين بأغلالها الثقيلة المرهقة، المجيرة لخدمة مطروحات جامدة ومصالح ومكتسبات وامتيازات غير مشروعة، كان من الممكن لأولئك النفر أن يقولوا: بأن الإمام الحسين عليه السلام قد تلاعب بالدين من أجل أهداف سياسية رخيصة، كما قالوا عنه عليه السلام أنه أراد بحركته الفتنة وشق صفوف المسلمين، أو من شأن حركته عليه السلام أن تكون كذلك، ولكن الإمام الحسين عليه السلام وهو الصراط المستقيم والميزان القويم للدين والعقل والفطرة، كان عليه السلام في جميع مواقفه وفي حياته كلها في غاية الصدق والأمانة مع الله جل جلاله ومع الناس ومع نفسه، وأنه يسعى لمرضاة الله الذي أحبه كل الحب وعشقه بقلبه كله، ونذر حياته كلها في سبيله تعالى وتحصيل مرضاته سبحانه وتعالى عما يصف الظالمون علواً كبيراً، وفي سبيل خدمة العباد والمصالح الجوهرية للدين والأمة، والحصول على السعادة الحقيقية لنفسه وللناس في الدنيا والآخرة، ولم يسع طوال حياته أو في شيء من جهاده عليه السلام وراء الوهم أو للحصول على مصالح خاصة وحقوق زائفة ومكتسبات غير مشروعة، ولهذا لم يعر المرجفين والمفسدين في الأرض والجهلة والمنافقين أية أهمية، ولم يستطيعوا بأراجيفهم وأباطيلهم وضغوطاتهم وإغراءاتهم التأثير عليه وتغيير مواقفه الرسالية والإنسانية التي أراد بها وجه الله سبحانه وتعالى والمحافظة على مصالح الناس الحقيقية المادية والمعنوية ومكتسباتهم المشروعة وصيانتها من الضياع أو السلب على أيدي الأشرار والحكام المستبدين وغيرهم من الظلمة والمفسدين في الأرض.
قال الله تعالى: {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً . فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا . ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى} (النجم : 28 – 30).
النتائج التي نخرج بها من البحث: من خلال البحث السابق نتوصل إلى النتائج التالية.. وهي:
النتيجة الأولى: وجوب رفض الانحراف والظلم والفساد المستشري في المجتمع، والذي يهدد الوجود الإنساني والمصالح الجوهرية للدين والعباد، والمقاومة حتى الشهادة من أجل اجتثاث تلك الأمراض والأخطار التي تهدد الوجود الإنساني من فوق وجه الأرض، وإصلاح الدين والأوضاع والأحوال في المجتمع والأمة وتطهيرها من الأمراض والأوساخ وصيانتها من الأخطار والدفاع عنها ضدها، وعدم التسليم أو الاستسلام لها، وهذا هو الأصل والاستراتيجية الشرعية الثابتة للمؤمنين في كل زمان ومكان حسب مقررات الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع مراعاة الأحكام الخاصة بذلك، وأن التكتيك والدبلوماسية لا تأتي على خلاف الاستراتيجية وإنما تأتي لخدمتها، فلا يجوز للتكتيك أو للدبلوماسية الشرعية، أن ترسخ الانحراف والظلم والفساد في الأرض وتتيح لها فرصة البقاء والاستمرارية والقوة، وإنما يأتي التكتيك، وتأتي الدبلوماسية لحسن إدارة المعركة والتوقيت فيها من أجل زعزعة أركان الانحراف والظلم والفساد واجتثاثها من فوق وجه الأرض، كما فعل الإمام الحسن عليه السلام، فهو لم يسمح للانحراف والظلم والفساد بالرسوخ والبقاء والقوة من خلال الصلح مع معاوية، وإنما وقت المعركة من أجل نجاحها في تحقيق أهدافها وتقويض أركان الانحراف والظلم والفساد الأموي واجتثاثه من فوق وجه الأرض، وقد حصل له ذلك من خلال ثورة الإمام الحسين عليه السلام، التي هي امتداد لجهاده عليه السلام وتخطيطه، فالتكتيك والدبلوماسية قوة وليس ضعفاً، كما هو واقع الحال عند الكثير من الضعفاء الذين يفهمون الأمور من خلال ضعفهم وانحرافهم ويبررون القبول بالأمر الواقع والتصالح معه على هذا الأساس، وإن رفعوا شعار التكتيك والدبلوماسية والتدرج والخطوة خطوة وغيرها من العناوين والشعارات، فكلها عناوين وشعارات زائفة لا حقيقة لها ولا قيمة، ومن أجل الخداع والتضليل ما دامت النتيجة: المزيد من الانحراف والظلم والفساد في الأرض.
أيها الأحبة الأعزاء: إن كل تسليم أو استسلام للانحراف والظلم والفساد فهو مخالف للدين والعقل والفطرة، وكل تكتيك أو دبلوماسية تسمح بذلك فهو تكتيك غير شرعي ودبلوماسية غير شرعية، ولو أخذ كافة المؤمنين بإملاءات الدين والعقل والفطرة في رفض الانحراف والظلم والفساد ومقاومتها حتى الشهادة من أجل اجتثاثها من فوق الأرض، لما بقي لها من أثر على وجه الأرض، ولتغير وجه الأرض وتطهر، ولما كان لطاغوت أو مستكبر أو مستبد مكان فيها، وقد سبق ذكر النصوص الدالة على ذلك من أهل العصمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قبل قليل، ولكن الضعف في الدين، والميل عن الفطرة السليمة، وحجب نور العقل بحجاب الشهوات والملذات والحرص على المكاسب المادية الضيقة، ومحاولة الخداع بالعناوين الباطلة: كالتكتيك والدبلوماسية والتدرج والخطوة خطوة للتستر على ذلك، هو الذي أفسد الأرض، وضيع الدين والحقوق والنواميس والمكتسبات، وفرض القبول بالأمر الواقع المنحرف والمتخلف والظالم في المجتمعات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
النتيجة الثانية: أن الرفض والمقاومة للانحراف والظلم والفساد هو مؤدى الدين والعقل والفطرة، ومكمل لإنسانية الإنسان ومصلح لمجتمعه، والقبول بالانحراف والظلم والفساد مخالف للدين والعقل والفطرة، ومسمم لإنسانية الإنسان وعقله وفطرته ومجتمعه ومحق لدينه.
سئل الإمام الرضا عليه السلام: لم سمي الحواريون الحواريين؟ فقال عليه السلام : ”…….. وأما عندنا: فسموا الحواريون الحواريين لأنهم كانوا مخلصين في أنفسهم ومخلصين لغيرهم من أوساخ الذنوب بالوعظ والتذكير” (الوسائل . ج 11 . الباب 2 . الحديث 5 . ص 405).
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه قال: سمعت علياً عليه السلام يقول يوم لقينا أهل الشام: ”أيها المؤمنون: إنه من رأى عدوانًا يعمل به، ومنكراً يدعى إليه، فأنكره بقلبه، فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه، فقد أجر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، وقام على الطريق، ونور في قلبه اليقين” (نفس المصدر . الحديث 8 . ص 405).
النتيجة الثالثة: وجوب التخطيط للمعركة في جميع مراحلها على أساس الدراسات والبحوث العلمية المعمقة: النظرية والعملية، كما فعل الإمام الحسين عليه السلام بأخذه للنساء والأطفال معه إلى كربلاء، بناءً على علم مسبق من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتخطيط دقيق، كما قال عليه السلام في جوابه لأخيه محمد بن الحنفية: ”قد شاء الله تعالى أن يراهن سبايا”، ولا يصح أن يدخل المؤمنون معركة المقومة بدون استراتيجية وتخطيط واضحين.
ملاحظة ختامية: وفي الختام ينبغي أن نشير إلى أن مسؤولية الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورفض الانحراف والظلم والفساد في الأرض ومقاومة تلك الأمراض والأخطار، هي مسؤولية جميع المؤمنين المكلفين: رجالاً ونساءً، شيوخاً وشباباً، ولكن المسؤولية أكبر على العلماء والرموز السياسية ومن يمتلك الثقل والقدرة على التأثير، لأن مسؤولية كل فرد بحسب حجمه وإمكانياته وطاقته وقدراته، وأن عامة المؤمنين يحتاجون دوماً إلى من يستظلون بظله، ومن يوجههم ويرسم لهم معالم الطريق، ويضفي الشرعية على حركتهم ويطمئنهم إلى صحة منهجهم في العمل والحركة، ويفجر طاقاتهم الكامنة في نفوسهم الطاهرة، ويحسن توظيفها حتى تظهر وتثمر وتعطي أكلها الطيب في الحياة، ولهذا نجد القرآن الكريم قد خص بالذكر وشدد على دور العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنهوض بالمسؤولية والمهمات المفروضة عليهم.
قال الله تعالى: {وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون . لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} (المائدة :62 – 63).
وفي الحديث قال الرسول الأعظم الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ”إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، فإذا طمست النجوم أوشك أن تضل الهداة” (رواه الإمام أحمد).
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ”أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا ”أي يقروا ويسكتوا” على كظة ظالم ”أي شبعه واعتداؤه على حقوق الناس” ولا سغب مظلوم ”أي جوعه وسلب حقوقه”، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ”أي المخاط الذي تنثره من أنفها عند العطس” (النهج: الخطبة 3).
المجاز قنطرة الحقيقة
الشهيد مرتضى مطهري
اختلاف الألسن واللّغات
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
طريق الجهاد (5)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الموت ثقافة حياة لا تنقطع
الشيخ شفيق جرادي
نحن لا نخشى غير الله (1)
الشيخ علي رضا بناهيان
ميتافيزيقا العرفان السياسي (6)
محمود حيدر
أكبر دراسة من نوعها تختبر استراتيجية الترطيب لعلاج حصى الكلى
عدنان الحاجي
معنى (وسوس) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
أهمّ عناصر النصر (3)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
حق الجهاد
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الحمزة بن عبد المطّلب: ليث عرين النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
المجاز قنطرة الحقيقة
نظام (ديب رير) للذكاء الاصطناعي يتفوق على الأطباء في تشخيص الأمراض النادرة في اختبار مقارنة مباشرة
اختلاف الألسن واللّغات
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (13)
طريق الجهاد (5)
الموت ثقافة حياة لا تنقطع
نحن لا نخشى غير الله (1)
طريق الجهاد (4)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (12)
انطفاء على إيقاع الغياب