مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الأستاذ عبد الوهاب حسين
عن الكاتب :
من مواليد ١٩٥٤م، مفكر إسلامي، ترأس جمعية التوعية الاسلامية، وساهم في كتابة النظام الداخلي لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية والمجلس الإسلامي العلمائي في البحرين، ثم أسس تيار الوفاء الإسلامي.rnله عدة مؤلفات ومقالات منشورة، منها:rn- الإنسان رؤية قرآنيةrn- في رحاب أهل البيتrn- الدولة والحكومةrn- تفسير سورة الضحى

خصائص الصيام (1)

لكي نكتشف الأهمية الأكيدة والكبيرة للصيام في تحقيق أهداف الرسالات السماوية، ودوره في خلق ملكة التقوى لدى الصائمين، فإننا نحاول أن نتعرف على أهم الخصائص التي يتميز بها الصيام من بين سائر العبادات وهي كثيرة منها:

 

الخاصية الأولى: أن الصيام كف أو إمساك، وهذا من شأنه أن يعزز حالة الإخلاص في العبادة. فالمؤمن حينما يصلي فإن الناس يرون صلاتـه، وحينما يحج فـإن الناس يرون حجه، وحينما يزكي ويتصدق فإن الناس يرون زكاته وصدقته.. أما الصيام: فهو إمساك عن المفطرات الشرعية، وهي حالة لا تختلف من الناحية الظاهرية عن الإمساك في حالة غير الصيام..

 

وعليه: فإن الصيام لا يرى، مما يساعد العبد المؤمن الصائم على تعزيز حالة الإخلاص والصدق في نية العبادة، ويكون ذلك له نورًا يهتدي به بين دروب الحياة إلى الصراط المستقيم والنهج القويم، وسلمًا يعرج فيه إلى أعلى درجات العبودية والكمال الإنساني. وهذا ما ينبغي أن يركز عليه العبد المؤمن في الصيام، ليكون عمله خالصًا لوجه الله الكريم، ليس في الصيام فحسب، وإنما في كل العبادات، بل في كل حركة وسكون إرادي منه.. كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام : 162).

 

والخلاصة: أن الصيام مظهر من أبرز مظاهر الطاعة والخضوع والعبودية لله (ذي الجلال والإكرام) التي يتجسد فيها الصدق والإخلاص في النية في أجلى وأنصع صورهما، حيث يقهر الصائم شهواته ويترك لذاته المادية استجابة لأمر الله (جل جلاله) في السر بينه وبين ربه (عز وجل) وعلى هذا الأساس فهم العلماء الأجلاء الحديث القدسي القائل: ” كل عمل بني آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به ”.

 

الخاصية الثانية: أن الصيام يستمر من بين كل العبادات لفترة زمنية طويلة: شهر كامل كل يوم من طلوع الفجر الصادق حتى غروب الشمس. والإنسان المؤمن الصائم يعيش فيها حالة مراقبة مستمرة لنفسه ومحاسبتها على طريق العبودية والسير إلى الله (ذي الجلال والإكرام) وطاعته فيما يعمل وفيما يترك. فهو لا يترك المفطرات لعدم وجودها أو لعدم الحاجة إليها أو لعدم رغبة النفس فيها، وإنما يتركها استجابة لأمر الله (تبارك وتعالى) وهذا يجسد حالة العبودية الصادقة لدى المؤمنين بحقيقتها العقلية والإرادية والنفسية، ويكتسب الصائم خلـق المراقبة والمحاسبة للـذات بنية القربة لله (ذي الجلال والإكرام) فإذا صحت المراقبة والمحاسبة للنفس، وصار الإنسان المؤمن يراقب نفسه ويحاسبها من أجل الله (جل جلال ) الذي يعلم السر وأخفى، ويعلـم خائنـة الأعين وما تخفي الصدور، في جميع عباداته ومعاملاته، وفي كل شأن من شؤون حياته الخاصة والعامة، وصار يعبد الله (سبحانه وتعالى) كأنه يراه، فإنه قطعًا يحصل على ملكة التقوى واحترام النظام والقانون، مما يؤثر إيجابيًّا في تطهير النفس من الأخلاط الرديئة وتهذيبها وتزكيتها، وتصفية الروح وتنقيتها، والتزهيد في الدنيا وزخارفها، والترغيب في الآخرة وسعادتها، والارتقاء بالأخلاق الكريمة لدى الإنسان المؤمن الصائم، وتنمية الوعي والتعقل، وبناء الإرادة القوية والصمود، وتنمية ملكة الصبر والانتصار على اللذة والشهوة والمتعة، وضبط النفس والتحكم في مداخلها ومخارجها، وتصعيد المقاومة ضد عوامل الشر والانحراف في داخل النفس وخارجها، واستكمال الإيمان وزيادة المحبة لله (ذي الجلال والإكرام) والتوكل عليه والاحتساب إليه (عز وجل) حيث يترك الصائم لذاته وشهوات نفسه حبًّـا لله (جل جلاله) وشوقًا إلى رضاه ورغبة في ثوابه، فينتصر حب الله (جل جلاله) على رغبات النفس وحب الـذات، ويجـد الصائم في نفسه لذة التقرب إلى الله (جل جلاله) وفرحة نيل رضاه، ويستبدل اللذات المادية الفانية، باللذات الروحية الخالدة، ويشعر بالسمو الروحي والعروج في سلم الكمال الإنساني، فيصلح بذلك شأنه الخاص والعام، ويرتقي في سلم الأخلاق وكمال العبودية، ويكون مصدرًا للخير والنور والعطاء والبناء والتعمير في الأرض والحياة، فيصلح بذلك المجتمع وتصلح الدولة التي ينتمي إليهما ويسعد الناس والخلق به.. وهذا يدل على أن الإسلام لا يسعى لقيادة الإنسان بالقوة والحديد والنار، وإنما بالوعي والإرادة والاختيار، والتحريك الذاتي للمقاصد عن وعي وإيمان.

 

ومن جهة ثانية: فإن الصائم يقوم بمراقبة الأوقات، لارتباط الصيام بها ارتباطًا وثيقًا في الإمساك والإفطار. فلو تناول الصائم شيئًا من المفطرات متعمدًا بعد الفجر أو قبل الغروب ولو بوقت قصير جدًّا، فإن صومه يكون باطلاً.. أضف إلى ذلك مراقبة أوقات الصلاة. مما يربي لدى الصائم ملكة احترام التزاماته العامة والخاصة واحترام الوقت والنظام والقانون الشرعي، ويرشد حركته في الحياة ويضبطها ويسيرها على الصراط المستقيم والنهج القويم ويقودها بسلاسة ولطف. ولو أجاد المسلمون تعلم هذا الدرس من الصيام الذي يجعل من احترام الوقت والنظام والقانون والالتزامات العامة والخاصة للأفراد والجماعات عملاً عباديًّا مقدسًا، لتقدموا قطعًا على جميع الأمم وتفوقوا عليها في جميع ميادين الحياة.. كما كانوا في أول تاريخهم.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد