من التاريخ

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد جواد مغنية
عن الكاتب :
الشيخ محمد جواد مغنية، ولد عام 1322ﻫ في قرية طير دبّا، إحدى قرى جبل عامل في لبنان، درس أوّلاً في مسقط رأسه ثمّ غادر إلى النجف الأشرف لإكمال دراسته الحوزوية، وحين عاد إلى وطنه، عُيّن قاضيًا شرعيًّا في بيروت، ثمّ مستشارًا للمحكمة الشرعيّة العليا، فرئيسًا لها بالوكالة. من مؤلّفاته: التفسير الكاشف، فقه الإمام الصادق(ع)، في ظلال نهج البلاغة، الفقه على المذاهب الخمسة، علم أصول الفقه في ثوبه الجديد، الإسلام والعقل، معالم الفلسفة الإسلامية، صفحات لوقت الفراغ، في ظلال الصحيفة السجادية، وسوى ذلك الكثير. تُوفّي في التاسع عشر من المحرّم 1400ﻫ في بيروت، ثمّ نُقل إلى النجف الأشرف، وصلّى على جثمانه المرجع الديني السيّد أبو القاسم الخوئي، ودُفن في حجرة 17 بالصحن الحيدري.

من آثار فتنة الجمل

لا أعرف أحدًا من الباحثين والمفكرين نظر إلى حرب الجمل نظرة جدّية، وقاسها بأسوائها، وما نجم عنها من أضرار، وتمنيت لو أتيح لها من يدرسها دراسة موضوعية تكشف عن خصائصها وآثارها العميقة البعيدة. إنّ لكلّ حادثة آثارًا قهرية لا تنفك عنها بحال، سواء أكانت تلك الحادثة من الظّواهر الطّبيعية، أمّ من عمل الإنسان، وبمشيئته واختياره.

 

وبعد، فما هي الآثار الّتي تركتها فتنة الجمل؟

 

ويستطيع العارف الخبير أن يضع كتابًا خاصًّا في الجواب عن هذا السّؤال، أمّا نحن فنكتفي بالإشارة التّالية:

 

لولا حرب الجمل لما كانت حرب صفّين والنّهروان، ولا مذبحة كربلاء ووقعة الحرّة، ولا رميت الكعبة المكرمة بالمنجنيق أكثر من مرّة، ولا كانت الحرب بين الزّبيريين والأمويين، ولا بين الأمويين والعبّاسيين. ولما افترق المسلمون إلى سنّة وشيعة، ولما وجد بينهم جواسيس وعملاء يعملون على التّفريق والشتات، ولما صارت الخلافة الإسلاميّة ملكًا يتوارثها الصّبيان، ويتلاعب بها الخدم والنّسوان.

 

لقد جمعت حرب الجمل جميع الرّذائل والنّقائص؛ لأنّها السّبب لضعف المسلمين وإذلالهم، واستعبادهم وغصب بلادهم، فلقد كانت أوّل فتنة ألقت بأس المسلمين فيما بينهم، يقتل بعضهم بعضًا، بعد أن كانوا قوّة على أعدائهم، كما أفسحت المجال لما تلاها من الفتن والحروب الدّاخلية الّتي أودت بكيان المسلمين ووحدتهم، ومهدت لحكم التّرك، والدّيلم، والصّليبين وغيرهم.

 

وبالاختصار لولا فتنة الجمل لاجتمع أهل الأرض على الإسلام؛ لأنّ رحمته تشمل جميع النّاس أجمعين: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) «1». وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله: «إنّما أنا رحمة مهداة» «2».

 

لقد تذرع قادة حرب الجمل بدم عثمان، ولنفترض أنّ عثمان قتل مظلومًا، وأنّ الّذين طالبوا بدمه كانوا مخلصين، ولكن ماذا كانت النّتيجة؟! طالبوا بدم رجل واحد، فقتلوا الألوف من الأبرياء، ولم يقتلوا قتلة عثمان، وجروا الويلات والنّكبات على الإسلام، وما زال المسلمون يعانون أسواء تلك الفتنة، حتّى اليوم، وسيعانونها إلى آخر يوم.

 

لقد نحيّ الإمام عليّ (ع) عن الخلافة، وهو يعلم، والنّاس كلّهم يعلمون أن محله منها كما قال عليه السّلام: (ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحا. ينحدر عنّي السّيل، ولا يرقى إليّ الطّير، فسدلت دونها ثوبًا، وطويت عنها كشحًا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصّغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه!) «3».

 

ومع ذلك سكت حين بويع للأوّل، وسكت أيضًا حين بويع للثّاني وللثّالث، ولم يحرك ساكنًا لا لشيء، إلّا ليجنب الإسلام والمسلمين تلك المخاطر والمفاسد الّتي ترتبت على فتنة الجمل، فلماذا لم يسكت طلحة، والزّبير، والسّيّدة عائشة، مراعاة لمصلحة الإسلام، كما سكت الإمام؟ لقد امتنع عبد اللّه بن عمر «4»، وحسان بن ثابت، وأسامة بن زيد عن بيعة عليّ، واعتزلوا النّاس، فتركهم الإمام وشأنهم «5».

 

وقال عمّار بن ياسر للإمام: «لو دعوتهم إلى بيعتك. فقال له الإمام: لا حاجة لنا فيمن لا يرغب فينا. وقال الأشتر: لا حقّ لهم في التّخلف. فقال له الإمام: دعهم يعملون برأيهم» «6».

 

فلماذا لا يعتزل طلحة والزّبير كما اعتزل ابن عمر؟ لماذا أركبا أمّ المؤمنين الجمل، يسيران بها من بلد إلى بلد، وخبا نساءهما في البيوت؟!.

 

لقد رأت السّيّد عائشة، ورأى معها طلحة والزّبير المهاجرين والأنصار وأبناءهم حول الإمام شاهرين السّلاح مصممين على القتال، والدّفاع عن النّفس إذا هوجموا، فلماذا أصر أصحاب الجمل على الهجوم وأمطروا معسكر الإمام بالنّبل، وقتلوا منه أكثر من واحد قبل أن يسمعوا كلمة واحدة؟ ولماذا رفضوا دعوة الإمام إلى كتاب اللّه وسنّة الرّسول، وأبوا إلّا الحر ؟! لماذا اختاروا القتال، ولم يؤثروا مصلحة الإسلام على أهوائهم وأغراضهم؟! وهل يكفي أن يقول القائل: أنا مسلم، ثمّ لا يكون فعّالاً، ولا ناصحًا للّه ورسوله؟!، وكيف فات أمّ المؤمنين، أنّ فتنة الجمل لم تكن بنتائجها الوخيمة حربًا ضدّ عليّ بالذات، بل ضدّ الإسلام ونبي الإسلام؟!.

 

لقد كانت أمّ المؤمنين ذكية فطنة ما في ذلك ريب، وكانت أيضًا تحفظ الأحاديث، وكان طلحة والزّبير من الأصحاب، وحضرا مع الرّسول بعض حروبه، ولكن هل تقاس الفضيلة والعظمة بمجرد الذّكاء والصّحبة وحفظ الحديث، دون اعتبار لأي شيء آخر؟!.

 

وهل يجب أن نقدس ونعظم الأذكياء والحفّاظ مهما أتوا ومهما فعلو؟! ولا شيء أكثر ضررًا وخطرًا من أن نثق بإنسان أكثر ممّا يستحق.

 

وبالتّالي، فإنّ الإنسان لا يقاس بعمل من أعماله، ولا بصفة من صفاته، وإنّما بأعماله وصفاته كمجموعة واحدة حقيقية لا تقبل التّبعيض والتّجزئة، تمامًا كجمال الجسم الّذي يقاس بسلامة جميع الأعضاء.

 

وكم رأينا من يتواضع، ويلبس جلد الجمل لغايات شيطانية. ومن يتصدق بالأموال لأغراض تجارية؟! ونحن لا ندعي أنّ طلحة، والزّبير، والسّيّدة عائشة أظهروا الإسلام لمآرب شخصية، في عهد الرّسول، وإنّما نقول: يجب أن لا ننظر إلى صحبتهم للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ثمّ نتجاهل فتنة الجمل، وما تركته من آثار وأضرار، وقديما قيل: «الأمور بخواتيمها» «7»... وصدق اللّه العظيم: (وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) «8»

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنبياء : 107 .

(2) انظر ، سنن الدّارمي : 1 / 9 ، مستدرك الحاكم : 1 / 35 ، مجمع الزّوائد : 8 / 357 ، المصنّف لمحمّد بن أبي شيبة الكوفي : 7 / 441 ح 144 ، كنز العمّال : 435 ح 32094 .

(3) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة ( 3 ) .

(4) قال بن عبد البر في الإستيعاب: لقد ندم ابن عمر على تركه بيعة عليّ حين حضرته الوفاة. وقال المسعودي: قعد عبد اللّه بن عمر عن بيعة عليّ، وبايع يزيد بن معاوية بعد ذلك، بايع الحجّاج لعبد الملك ابن مروان.. انظر، تأريخ المدينة : 3 / 923 و : 3 / 343، تأريخ السّيوطيّ: 135. لم يبايع لمّا كانت البيعة له - لعليّ - بعد عثمان، وبايع بعده معاوية ويزيد بن معاوية...، بل قيل إنّه انتظر على باب الحجّاج ثلاثة أيّام ليبايعه، والحجّاج مشغول عنه، حتّى دخل عليه في اليوم الثّالث وهو يقول: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة». وكان الحجّاج منشغلاً بالأكل فمد رجله إليه وبايعه... انظر، صحيح البخاريّ: 1 / 166، سنن البيهقيّ: 8 / 159، مسند أحمد: 2 / 96.

(5) تخلف عن بيعة الإمام عبد اللّه بن عمر، وابن أبي وقّاص، وحسّان بن ثابت، وما تعرض لهم أحد بسوء. انظر، الأخبار الطّوال: 140، وصاحب وقعة صفّين: 65، وصاحب فتح الباري: 5 / 19 و :13 / 165، وتأريخ ابن خلدون: 1 / 214، وذكروا منهم: محمّد بن مسلمة، والنّعمان بن بشير، ونافع - وقيل: رافع بن خديج، وأسامة بن زيد، شرح النّهج لابن أبي الحديد : 1 / 26 ، و : 3 / 192، ابن أعثم في كتاب الفتوح: 2 / 163، اليعقوبي في تأريخه: 2 / 178، الطّبري في تأريخه : 3 / 450.

(6) انظر، الفتوح لابن أعثم: 163، الطّبعة القديمة.

(7) انظر، السّير الكبير، الشّيباني: 1 / 226 ح 285.

(8) الكهف: 49.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد