
عندما يلف الوجوم وجه العالم، يقع الإنسان في عمق وجدانه فريسة القلق القاتل. حينها تسقط حضارات وتتغير وجوه من قيم أمم وشعوب، لطالما كانت تتأرجح بين خيارات متناقضة في جوهرها.
يبحث المرء عن حقيقته وينشد فهم هويته وسلوكه، ليضمن أفق الخلاص. ليرسم سبل الوصول نحو شاطئ من الحقيقة أخشى ما يخشى فيها أن تكون سرابًا بقيعة يحسبها الأمل، فلا يجد فيها إلا الفراغ والانهيار.. كل شيء يؤول إلى التفكّك، ويصير نحو وجه الموت القاتم.
وأفظع ما في الأمر أن تصل حضارة الإنسان في بناءاته لتترامى سعة الأرض، وتستظل في سماء لا تغيب عنها الشمس.
حضارة سلطانية تتحوّل في منعطفها التاريخي إلى إمبراطورية القوة التي وصلت ذروةً ما فوقها سنام.
عند هذا الواقع، تبرز الأسئلة حول معنى الحضارة، والأمة، والهوية، حول معنى القيم والذات، بل معنى الحياة والموت في تجربة اللذة المنتصرة والمرارة المنكوبة.
إنه السؤال، وليد الحياة الممزوجة بالموت. المفتوح من الخصوصية على المطلق. إنه الأنا حينما تنقسم على ذاتها لتسأل من أنا؟
وفي غمرة الزهو تتحوّل عند ذاتها إلى وهم يعيد إليه كل الأشياء. ذلك أن انسلاب السؤال من حدود (أناه) جعل كل واقع، بل كل معنى تجلٍّ له. والخيبة في فلسفة قيم الخيبة. حينما يكتشف سؤال (الأنا) ضياعه في سرابه المفترض. وأسوأ ما في الأمر أن تنقاد المعاني إلى مخيال وهم (الأنا) السيادية المسوَّرة بضعفِ الأمم والشعوب.
وأسوأ ما في الأمر أن تتحوّل قيم السيادة المزهوّة، ثقبًا أسود في تجويف حياة الإنسان يجذب إليه كل حقيقة وواقع، ليحيلهما أشياء لا تنجذب إلا نحو التدمير الذاتي. هنا، مع تعاظم منطق العسر، يشرع الأمل المكنون في أفق القيم، المتجاوز حدود اللحظة والوضعية المحدودة، ليقدّم إرهاصات نجاة خارج حدود المألوف، وهنا يتولّد صراع حقيقي بين قيم تدافع عن أصل وجودها، وأخرى استُلب منها إرادة التدبّر والتدبير باسم مقولات وقيم ومفاهيم شاخت رغم قوة سطوتها. وهنا يقف الإنسان في إنسانيته بين انقسام الأمل ونقيضه، واليأس ومتنافراته. ومن أبرز تداعيات هذا الصراع في مستواه المرتبط بالقيم الحضارية، قابلياته على إنشاء تداول في الحوار والحضور.
من هنا، يمكن لنا فتح صفحة لهذه الجدلية تقوم على دراسة موضوعة القيم ببعدها الحضاري المرتكز على اتساقات فلسفية تربط بما لا انفصام له بين التجربة والواقع من جهة، والمستوى النظري المتجاوز لسكونية المفاهيم التجريدية من جهة أخرى.
الحضارة أمام إشكالياتها
لقد تجاوز العقل الاصطلاحي كما التحليلي في تحديده لمعنى الحضارة، الوقوف عند الفروقات البشرية بين الأجناس والأعراق والألوان، حتى أثمر ذلك تجاوزًا لأصناف الحضارات المعتمدة قديمًا. وأخذ يتجه نحو التفريق بين الحضارة والحضارات. فيعتبر أن “الحضارة – في مفهومها العام – هي ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته، سواءً أكان المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقصودًا أم غير مقصود، وسواءً أكانت الثمرة مادّية أم معنوية”[1].
فالأصل في البناء الحضاري هو التراكم في الجهد البشري والمعرفة البشرية بمستوييها المادي والمعنوي في سياق تاريخي منتظم، يجعل لهذا الجهد هويته الخاصة النابعة من القصدية الإرادية، أو القصدية الطبعية عند أمة واحدة، أو مجموع من الأمم الداخلة في انسياب زمني وقيم وانتماءات محدّدة. وهذا ما يسمّى بالقيم التراكمية التي تشتغل بمفاعيل التاريخ والزمن. والتاريخ شرط ضروري في فهم الحضارة، إذ بدون معرفة ماهية التاريخ يختلّ أي فهم لمعنى الحضارة وتحديد هويتها..
وإذا ما كانت الحضارة في هويتها تحتاج إلى عقل حضاري متسق ومنظِّم للسجيّة الحضارية، فإن فصل مكوِّنات هذا العقل الحضاري عن تداولاته التاريخية هو فصل تعسّفي في الحقيقة. دون أن يعني هذا أن العقل الحضاري هو محض تاريخي، بل المقصود أن العقل الحضاري هو قيم متسامية تتفرّع عن مثال أعلى أو مُثُل عليا، تمثّل قيم هذا العقل التأسيسية، في الوقت الذي هو فيه عقل يخبر الواقع في زمانياته وتاريخيته ليتمثّل قيمًا وثقافة ورؤى تشكّل خصائص لون حضاري ما.
ولا ينبغي أن يُفهم من هذا الكلام أن الإنسان، والتاريخ، والقيم، والمعرفة وحدها التي تصنع حضارة معيّنة، إلا أننا نقصد أن هذه هي الأصول التأسيسية لصنع أي حضارة. في الوقت الذي نعتقد فيه أن لأمور أخرى تأثيراتها معها، من مثل البيئة الجغرافية، وما تفرضه على الإنسان من قيم عند مسعى تكيّفه، من تأمّلات وتنكّبات وأعمال يقوم بها، فتدفع بشخصيته الجمعية نحو بناء من المؤهلات والقدرات والكفاءات تستلزم ميولًا وقيمًا خاصة.
وبناءً على هذا، فما من شعب إلا وله مستواه الحضاري. وهذه النتيجة طرحت إشكالية أساسية فرَّق فيها العقل الغربي بين معنى الحضارات، وبين الحضارة حسب المعايير التي وضعتها العقلية الغربية، والتي أخرجت فيها التقسيم القديم من التداول: البدوية والحضرية، إلى اختراع ملاكات وقيم محدّدة لما هو حضاري، مما ليس بحضاري. الأمر الذي استوجب جملة أسئلة من مثل:
هل للحضارة مقاييس؟ هل هناك معايير نحكم بمقتضاها على إنسان أو جماعة بأنه أو أنها متحضّرة؟ وأين تكمن الأولوية الحضارية، هل هي في مستوى القيم المعنوية؟ أم القيم المادية؟ وما هي الغايات الحضارية الكبرى، هل هي: الأمان، بما يشمل الأمن على النفس والمال والأهل والوطن، وكل ما يهم الفرد؟ أو الاطمئنان، بما هو شعور داخلي يميل نحو البعد عن الآلام والأخطار؟ أو الكفاية، بما هي تلبية لمشاعر الإنسان بالاحتياج إلى أمور معيّنة أو طموحات خاصة؟ وهل لتوسّع النفوذ والتأثير في الأمم والشعوب الأخرى مدخلية في حضارية هذه الأمة أو تلك، وأفضليتها على بقية الحضارات؟ وبعد هذا يجيء السؤال الأكثر إشكالية: ما محور حضارية أي أمّة أو شعب أو جنس؟
هل هو الدين أم الأسطورة والفن والفلسفة؟ هل هو الاقتصاد أم السياسة أم الثقافة؟ أم أن محور حضارة ما يكمن في القيم التي تكوِّن وتسند تلك الحضارة؟ ثم ما الشروط الموضوعية لنهضة حضارة ما؟ هل هي سهولة اللغة وقابليتها للانتشار والتعلّم، أم أنها الكتلة التاريخية القادرة على تمثيل روح الأمة وبث الوعي الارتقائي في مسارها الحضاري؟
وأخيرًا، هل يمكن للقيم الحضارية أن تشيخ؟ وهل هي تنتهي بفعل انتهاء حقبات من التاريخ؟ أم أن صلة القيم الحضارية بالإنسان ألصق من صلته بالتاريخ؟ بحيث إنها تمتلك القابلية على بث الفاعلية الدائمة والمتجددة، وعلى إعطاء التاريخ نفسه معنى يختلف عن معناه القديم؟
ينبغي علينا قبل الدخول في بحث الموضوع ضمن المناخ العام لهذه الأسئلة أن نستبق النتائج، ونؤكّد على أن العقل الحضاري الغربي استطاع أن يتحكّم بمسارات هذا النقاش. إذ استطاع أن ينطلق من القيم والثمار الحضارية الخاصة، ليضع ضوابط معيارية في نقاش أي مشروع حضاري أو بناء حضاري.
ولعلّ بؤرة المعنى الأكثر فاعلية في هذا النقاش هو: (الحداثة) كمنعطف قسَّم التاريخ، بل والحضارات المعاصرة إلى حداثية وغير حداثية، وإلى ما قبل الحداثة، والحداثة، وما بعد الحداثة.
وهو ما أدخل إلى حقل التداول مصطلح “الحضارة العالمية” المبنية على الحداثة بمقارباتها الثقافية التعددية “وهكذا يكون تفاعل قوة وثقافة الغرب مع قوة وثقافة الحضارات غير الغربية محورًا مركزيًّا للسياسة في عالم ما بعد الحرب الباردة”[2].
هذه الثنائية القوة بما هي قيمة القيم في أصل التكوّن السيادي للحضارة الواحدة في العالم، والثقافة بما هي الأرضية التي تحتضن بقية الحضارات – الأطراف ضمن تأثيراتها الجاذبة لها إلى الحضارة السيادية الواحدة. هي الثمرة الأخيرة التي ابتدعها العقل الغربي لتأكيد سطوته. والتي استطاعت الحداثة على الطريقة الأمريكية أن تخندقها بخندق الدولة الأم، أو الدولة المركزية العالمية الامتداد والتي اختزلت مصالح العالم بمصالحها الخاصة حتى حوّلتها إلى قيم تتكيف معها الحضارات الفرعية ولو عن غير ما وعي أو إرادة. وأرست مفهومًا جديدًا مفاده: أن الثقافة والقيم والقوة، ينبغي أن تتضافر مع الأطر والمؤسسات والنماذج الإرشادية لتأكيد محورية حضارة الدولة الواحدة في امتدادها العالمي.
وهكذا صارت الحضارة تعني اليوم الثقافة، والثقافة تشير إلى مجمل أسلوب الحياة المتشكّل بلون الأحادية الحضارية، والحياة هي عبارة عن مجمل قيم ومعايير ومؤسسات وطرائق تفكير ينبغي أن تعمل الأجيال على إرسائها ليتشكّل مطلق تاريخي حاكم يقف السيد السامي على رأس الهرم فيه وتشكّل مصالحه بنية قاعدة الهرم. أما الشكل المعبِّر عن ناظم هذه الحضارة الكونية، عالمية الانتشار الثقافي والقيمي، فهي الدولة، ذاك الشكل الذي تحوَّل إلى مفهوم تأسيسي في كل ناظم على امتداد العالم. وتقع هذه الدولة على رأس المنظومة الحضارية الحداثوية التي يمثلها الغرب. ومن هنا، تأتي سطوة الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها (دولة العالم الكونية). والتي ورثت الغرب بعد الحرب الكونية ومثلت روح الحضارة السيّدة في العالم. وصار كل تأسيس لمسار سياسي أو ثقافي، أو أنظومة قيمية حضارية لا بدّ أن تعتمد على الالتفاف حول الدولة المركز والتي تمثل حسب – هانتنغتون – منعطف الحضارة الكونية. وهو منعطف يقع بين مرحلة من حاكمية سابقة للغرب الأوروبي، ومرحلة يفترضها كحل لفساد واحتمال انتهاء موقعية الغرب الأمريكي عبر عودة أمريكا إلى حاضنة الثقافة والقيم الغربية الأوروبية. لينطلق المشروع الجديد، بتجديداته لكل قيمه السيادية، الضابطة للكل الحضاري المتوزّع في الحضارات الخمس الكونية.
وإذا كان المشروع العام لأطروحة صدام الحضارات عند هانتنغتون “يتضمن: مفهوم الحضارات، مسألة الحضارة الكونية، العلاقة بين القوة والثقافة، ميزان القوى المتغيّر بين الحضارات، العودة إلى المحلية والتأصيل في المجتمعات غير الغربية، البنية السياسية للحضارات، الصراعات التي تولّدها عالمية الغرب، العسكرية الإسلامية، التوازن والاستجابات المنحازة للقوة الصينية، أسباب حروب خطوط التقسيم الحضاري والعوامل المحرّكة لها ومستقبل الغرب وحضارات العالم”[3]. فإنّ المشروع الخاص بهذه الأطروحة يكمن بافتراض أن تماهي القوة الأمريكية بالثقافة الغربية الأوروبية، وإيجاد توسّع عالمي لقيم هذه القوة والثقافة كفيلة بلملمة القواسم المشتركة بين الحضارات عبر رافعة التحديث. خاصة أنّ المشروع يسعى لإغراء تلك الحضارات بالمائز بين التغريب بما هو شأن سلبي لهذه الحضارات، والتحديث بما هو قيمة القيم المؤسّسة لواقع أي معاصرة ومدنية، بل سعى لإبرازه كمعطىً نهضوي لعموم الحضارات، إذ “يؤدّي التحديث إلى الابتعاد عن التغريب وانبعاث الثقافة المحلية على نحوين:
على المستوى الاجتماعي، يعزّز التحديث القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للمجتمع ككل، ويشجّع شعب ذلك المجتمع على الثقة بثقافته، وأن يصبح ميّالًا لتوكيدها. وعلى المستوى الفردي، يولّد التحديث مشاعر الاغتراب واللامعيارية، حيث تنفصم عرى التقاليد والعلاقات الاجتماعية، وتنشأ أزمة الهوية التي يقدّم لها الدين حلًّا”[4]. وهذا ما يفسح للحضارات أن تعبّر عن نفسها بما هي حضارات حداثوية تعمل على التوأمة بين قيمها التقليدية، والاتجاه الحداثوي الحاكم على هذا المسار التاريخي. والذي تقع فيه الدولة الكونية إذا ما تماهت مع ثقافتها الغربية الأوروبية موقع الضامن لعدم نشوب أي صراع حضاري متفجّر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – حسين مونس، الحضارة، عالم المعرفة، 1978، ص 12.
[2] – هانتنغتون، صدام الحضارات، ص 48.
[3] – صدام الحضارات، م.س، ص 30.
[4] – صدام الحضارات، م.س، ص 125.
نحو فلسفة القيم الحضارية (1)
الشيخ شفيق جرادي
كن عظيمًا
الشيخ علي رضا بناهيان
الحداثة المستعلية بتغطية فلسفيّة (1)
محمود حيدر
الولاية والنّبأ العظيم
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ ..﴾
الشيخ محمد صنقور
خاتمة شهر رمضان عيدًا وسرورًا
السيد عباس نور الدين
حِلية المتّقين
الشهيد مرتضى مطهري
معنى (عصب) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
الأطفال في سن الشهرين يرون الأشياء بطريقة أكثر تعقيداً مما كان يعتقد قي السابق
عدنان الحاجي
في وداع الشهر الفضيل: ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة (2)
الشيخ محمد مصباح يزدي
بين احتمال ومحض تجريد
محمد أبو عبدالله
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
نحو فلسفة القيم الحضارية (1)
كن عظيمًا
بين احتمال ومحض تجريد
الحداثة المستعلية بتغطية فلسفيّة (1)
الولاية والنّبأ العظيم
معنى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ ..﴾
خاتمة شهر رمضان عيدًا وسرورًا
المعبد الشّعريّ
لفائف (إمكسين) النانوية قد تحسّن تخزين الطاقة وأجهزة الاستشعار الحيوية وغيرها
التعرّف على الفائق (3)