مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مهدي الآصفي
عن الكاتب :
عالم ومفكر اسلامي كبير، واستاذ في الحوزة العلمية، توفي(٤/٦/٢٠١٥)

شروط النصر (2)

الصفة الثانية: الإخلاص

 

فإنما يعمل الداعية لله، ويقاتل لله، ويتحمل ما يلاقيه في طريقه من العنَت والعذاب لله… وهذا الشّرط روح عمل الداعية، وجوهر قيمة عمله. فإذا أدخل الشيطان في نفسه حبّ الدنيا والنزوع إلى شأن من شؤون الدنيا، وأفقده الإخلاص في عمله، فقد تمكن الشيطان من مصادرة عمله كله.

 

والله تعالى، حيث يَعِد عباده الصالحين بالمعية الإلهية والهداية، يشترط أن يكون الجهاد من أجله تعالى وفي سبيل مرضاته (عز وجل) : (وَالَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا)[1].

 

ويحذّرنا تعالى أن نكون نحن كالذين يخرجون من ديارهم بطراً، ورئاء الناس، وابتغاء متاع من متاع الحياة الدنيا من سلطان، ومال، وشأن غيره. (وَلاٰ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بَطَراً وَرِئٰاءَ النّٰاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ وَاللّٰهُ بِمٰا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)[2].

 

الثالثة والرابعة: الصبر والصلاة

 

قال تعالى: (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاٰةِ إِنَّ اللّٰهَ مَعَ الصّٰابِرِينَ)[3].

 

وهما من أهم شرائط العمل، فإن العمل في سبيل الله تعامل مزدوج في آن واحد مع الله ومع الناس. وتعامل الداعية مع الله صلاةٌ، ومع الناس صبرٌ.

 

ولابد له من أن يذكر الله تعالى، ويكون على ذكر دائم وصلة دائمة بربه (عز وجل) ، وأن يفزع إلى الله بالدعاء فيما يعتري طريقه من عقبات، ومشاكل، وعوائق، تعوق تقدم الدعوة إلى الله، وفيما يوسوس الشيطان في نفسه. وهذا اللجوء إلى الله (الصلاة)، يمنح المؤمن قوة، وثقة، ويمدّه بإمداد متصل من ربه (عز وجل) ، في طريقه الشائك.

 

واستمع معي إلى طرف من أدعية الدعاة إلى الله من الأنبياء وعباد الله الصالحين، فيما كان يُلمُّ بهم من متاعب وصعوبات في طريق ذات الشوكة: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنٰا وَبَيْنَ قَوْمِنٰا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفٰاتِحِينَ)[4].

 

وبإزاء تهديد فرعون يتضرع السحرة إلى ربهم بعد أن آمنوا: (رَبَّنٰا أَفْرِغْ عَلَيْنٰا صَبْراً وَتَوَفَّنٰا مُسْلِمِينَ)[5]. ويفزع قوم موسى إلى ربهم في محنتهم بفرعون: (رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةً لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ - وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ)[6]. (رَبَّنٰا أَتْمِمْ لَنٰا نُورَنٰا وَاغْفِرْ لَنٰا إِنَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[7]. وهذا هو الطرف الأول: (الصلاة).

 

والطرف الآخر التعامل مع الناس: (الصبر). إن الصبر تعامل مع الناس، ومع حقائق هذا الكون، وسنن الله تعالى في هذه الأرض.

 

فإن لله سننًا في أرضه، وفي حياة الناس، وفي مسير التاريخ، وما لم يعرف الداعية هذه السنن، ولا يعرف مداخلها ومخارجها، وكيف يتعامل معها، فإنه يفشل في أداء مهمته.

 

إن الفرد، والمجتمع، والعقول، والعواطف، والاقتصاد، والسياسة، والحكم، والرأي العام، والحركة، والثورة، والمال، والإدارة، والتاريخ… وكل ما يتصل بعالم الإنسان، يخضع لسنن إلهية ثابتة، كما تخضع الأشياء للسنن والقوانين الإلهية، وكما تخضع الجاذبية، والكهرباء، والبخار، وطبقات الأرض، والجبال، والبحار، والجَزْر، والمد، ونبات الأرض، لنواميس وقوانين إلهية ثابتة، كذلك عالم الإنسان بكل تعقيداته.

 

وما لم يعرف الداعية سنن الله تعالى في حياة الإنسان، والتاريخ، والفرد، والمجتمع، لا يستطيع أن يؤدي مهمته الأداء الحسن المناسب، فإذا عرف هذه السنن، وأحسن معرفتها، بما آتاه الله من نور، وبما يكتسب من تجربة وخبرة في حياته العملية، وخبرات وتجارب العاملين والمجاهدين من قبله… فقد حقق شرطاً هاماً من شروط النصر، فلابد أن يصبر على هذه السنن، ويعترف بها، ويعطي للزمان حقه، ولمراحل العمل حقها الثابت.

 

فإنّ الفشل أقرب شيء إليه، لو لم يحاول أن يعرف سنن الله في حياة الإنسان، أو حاول أن يعاكس التيار، ويخترق السنن، ويتجاوز مراحل العمل، ويتناسى دور الزمن، ويتجاهل أنه يتعامل مع إنسان آخر له إرادته، ورغبته، وشخصيته، وتتحكم في تكوينه وشخصيته سنن إلهية ثابتة… تماماً كما يفشل الفلاح، لو أنه لم يعرف متى يزرع، وأين يزرع، ومتى يحصد. فإذا تغافل عن سنن الله في وقت الزرع أو وقت الحصاد أو مكان الزرع، فإنه لا يجني من عمله غير الخسران.

 

وفي رأيي أن الدعاة إلى الله تعالى، لابد أن يلموا إلماما كافيًا كاملاً بتاريخ الدعاة إلى الله تعالى، وممارساتهم، في حياتهم، ومع الناس، منذ نبي الله نوح (ع) إلى عصرنا، وبصورة خاصة لابد أن يلمّوا إلمامًا كافيًا بسيرة رسول الله (ص)، ليعرفوا سنن العمل قبل كل شيء. ولابد أن يعيشوا مع الناس، ويتعاملوا مع الناس، ويقرأوا ويسمعوا، ويعملوا في صفوف الناس، ليعرفوا عن كثب سنن الله تعالى في حياة الإنسان…

 

ثم لابد أن يتزودوا بعد ذلك، بالصبر في التعامل مع الناس، والصبر في مواجهة الظالمين، والصبر في توعية المسلمين، والصبر في تحريكهم، وإعداد العدّة المادية والمعنوية لكل ذلك، وتحمُّل متاعب الطريق، وإعطاء الزمن دوره، والاعتراف بالزمن كعامل أساسي ـ في سنن الحياة ـ لنجاح العمل وتقدمه، والصبر على أخلاق الناس وكلامهم، والصبر على طول الطريق وبُعد الشُّقة، والصبر على الأسلوب، والصبر على المرحلة، والصبر على تحديات الظالمين، والثبات، والإعداد، والاستقامة، والاستمرار، والنَّفَس الطويل الواثق في العمل.

 

وطبيعي أن هذه المراحل الشاقة من العمل والصبر، لا يمكن أن يجتازها الداعية وحده، فالطريق أبعد من أن يقطعها الداعية إلى الله وحده، والحِمل أثقل من أن يحمله الداعية وحده، فلابد من أن يكون مع الله، ليكون الله معه، ولِيخفف عنه ثقل العمل، ويقرِّب له الطريق الطويل…

 

ولابد له إذًا من الصلاة، ولابد من أن يفزع إلى الله، ليكون معه في الطريق الشائك، ولابد أن يقترن الصبر بالصلاة، ليصل الغاية في مسيره، بمعية الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] العنكبوت: 69.

[2] الأنفال: 47.

[3] البقرة: 153.

[4] الأعراف: 89.

[5] الأعراف: 126.

[6] يونس: 85 – 86.

[7] التحريم: 8.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد