
الشيخ جوادي آملي
إنّ القرآن الّذي هو شفاء لما في باطن الإنسان من داء ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُور﴾[1]، يعرِّف الإنسان علىٰ آفات التوحيد العبادي، فالتوحيد في العبادة له عدوّ باطنيّ، وعدوّ خارجيّ. فالعدوّ الباطنيّ وصفته بعض الروايات بأنّه (أعدىٰ الأعداء) فقالت: «أعدىٰ عدوّك نفسك الّتي بين جنبيك»[2] فهو الهوىٰ والشهوات، الّذي لا يعيق الإنسان عن بلوغ الكمال فحسب، بل يحطّم الإنسان شيئاً فشيئاً إلىٰ درجة أن لا ينال من عمره شيئاً سوىٰ الحسرات والآهات. والسرّ في كونه (أعدىٰ الأعداء) هو أنّه ليس هناك من عدوٍّ يفعل بالانسان هذا الفعل المشين الّذي يفعله هوىٰ النفس، فهو بواسطة الإفراط في الأكل والنوم والكلام يَشُلّ الإنسان بحيث لايبقي له قدرة علىٰ الحركة.
أمّا العدوّ الخارجي للتوحيد العباديّ فهو الشيطان. وبالطبع فإنّ العدوّ الخارجيّ يغوي الإنسان بواسطة التصرّف في مصادر حسّه وطرق إدراكه وأعضائه الحركيّة. ولهذا فهذان العدوّان يرجعان إلىٰ سببين طوليّين لا عرضيّين، أي أنّ العدوّ الخارجيّ (الشيطان) يجرُّ الإنسان نحو الفساد عن طريق العدوّ الباطنيّ (هوىٰ النفس)، وأدوات إغوائه هي وسوسة النفس. والشيطان يقول حول طريقة اختراقه للقلوب: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُم﴾[3]، فهو يوقع بالإنسان عن طريق (الأمنيّة). فالشيطان لا يستطيع أن يُضِلَّ أحداً بغير وسيلة للإغواء، بل هو مثل السمّ القاتل الّذي يفتك بالإنسان عن طريق الجهاز الهضميّ. فالسمّ ما لم يؤكل وما لم يجذبه الجهاز الهضميّ فإنّه لا يؤثّر شيئاً.
والعابد الّذي يُصغي إلىٰ هذين العدوّين، فهو ليس موحّداً في العبادة، وإذا قال في الصلاة (إيّاك نعبد) فهو كاذب. ومثل هذا الإنسان المُنفلت قد شيّد في باطنه معبداً للأصنام فهو منهمك في عبادة الصنم، وليس له من التوحيد نصيب.
وقد حذَّرَ القرآن الكريم من خطر هذين الأمرين، فقال حول العدوّ القريب والباطنيّ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَة﴾[4] فالّذي يعمل طبقاً لما يشتهي، والمنفلت هو مطيع لهواه وليس تابعاً لقانون الله، وهو في الواقع يعبد هواه فإلٰهه هواه وهو (عبد الهوىٰ) وليس (عبداً لله).
أمّا فيما يتعلّق بالأمر البعيد والخارجيّ فيقول تعالىٰ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِين﴾.[5] وإذا ما ابتلي الإنسان بخدعة عامل الهلاك القريب أو البعيد فوقع في عبادة الصنم، فهو مشمول بالخطاب التوبيخيّ لنبيّ الله إبراهيم (عليه السلام) حيث قال: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّه﴾.[6]
فالقرآن الكريم من جهة يعتبر البعض عبيد الهوىٰ ومن جهة أخرىٰ يقول علىٰ لسان الخليل «أفّ لمن يعبد غير الله» وهذا «التأفّف» ليس لعناً وانزجاراً موقّتاً وعابراً حتّىٰ يكون موعده قد انقضىٰ وتصرّم، بل هو من كلام القرآن الّذي هو «يجري كما يجري الشمس والقمر»[7]، وعليه فإنّه اليوم أيضاً، يخاطب حجّة العصر الإمام المهدي (عج) عبيد الهوىٰ ويقول: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّه﴾.
فالإنسان من جهة يبلغ بالعبادة المقام الشامخ ويرقىٰ إلىٰ ذرىٰ الولاية ويثبت اسمه في سجلّ المقبولين، ومن جهة أخرىٰ يتسافل بسبب عبادة الهوىٰ ويسقط إلىٰ حضيض الضلالة بحيث يستحقّ الخطاب المشين المذكور. والإنسان بتغلّبه علىٰ هذين العدوّين الباطنيّ والخارجيّ (الهوىٰ والشيطان) وسيطرته عليهما يصل إلىٰ درجة التوحيد الصادق.
والقرآن الكريم في مقام تبيين صفات الموحّدين الصادقين ومدحهم يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئ﴾[8]، أي أنّ الموحّدين الصادقين إذا أصبحت بيدهم القدرة والحكومة، فليس فقط يعبدون الله بل هم لا يجعلون لله أيّ شريك أيضاً.
وصحيح أنّ جملة (يعبدونني) غير مفيدة للحصر، لكن جملة (لا يشركون بي شيئاً) الّتي هي نكرة في سياق النفي تفيد الحصر، وحيث إنّ الجملة الثانية وردت إلىٰ جانب الجملة الأولىٰ بغير حرف عطف فهذا يدلّ علىٰ أنّ التوحيد العباديّ ونفي الشرك معنيان غير منفصلين عن بعضهما، وإذا دلّت النكرة في سياق النفي علىٰ نفي جميع أنحاء الشرك فالعبادة ستكون خالصةً لله، وهذا هو نفسه مضمون: (إيّاك نعبد).
والصفات المذكورة تتعلّق بالمؤمنين الصالحين الّذين وصلوا إلىٰ سُدّة الحكم وليست محصورة بالمرسلين والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ولهذا فإنّ الوصول إلىٰ هذا المقام ميسور لكلّ إنسان.
وخلاصة القول هي أنّ الله سبحانه من جهة يحصر العبادة والخوف والرهبة في ذاته المقدّسة: ﴿إِيِّاكَ نَعْبُد﴾، ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُون﴾[9]، ومن جهة أخرىٰ يبيّن أعداء وآفات التوحيد العباديّ ويوضّح سبيل علاجها ومواجهتها ومن جهة ثالثة يكلّف الجميع بالالتزام بها، ومن جهة رابعة يعدّ المحاور الأساسيّة للتكليف سهلة وبعيدة عن العسر والحرج. وبالنتيجة فإنّ تحصيل مثل هذا الكمال مقدور للإنسان، بل هو سهل عليه.
ــــــــــــــــــ
[1] . سورة يونس، الآية 57.
[2] . البحار، ج67، ص64.
[3] . سورة النساء، الآية 119.
[4] . سورة الجاثية، الآية 23.
[5] . سورة يس، الآية 60.
[6] . سورة الأنبياء، الآية 67.
[7] . البحار، ج89، ص97.
[8] . سورة النور، الآية 55.
[9] . سورة البقرة، الآية 40.
المراد من عدم استحياء الله
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
التجلّيات السّلوكية والعمليّة لذكر الله تعالى
الشيخ محمد مصباح يزدي
معنى (عمد) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
الأساس العصبي للحدس: هل يستطيع دماغك فعلًا أن يعرف قبل أن تعرف أنت
عدنان الحاجي
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
علّة اختيار موسى (ع) لهارون (ع) وزيرًا
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
التأسيس الَّلاهوتي لفلسفة الحرب (4)
محمود حيدر
أربع قواعد ألماسية في علاج المشاكل الزوجية
الشيخ مرتضى الباشا
الرياء وموقف العرفان من النية والعمل
الشيخ شفيق جرادي
كن سببًا لنجاح ابنك وتألّقه
عبدالعزيز آل زايد
الكاظم.. تهجّد في محاريب الشّوق
حسين حسن آل جامع
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
تجلّـيت جلّ الذي جمّـلك
الشيخ علي الجشي
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
أيقونة في ذرى العرش
فريد عبد الله النمر
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
المراد من عدم استحياء الله
التجلّيات السّلوكية والعمليّة لذكر الله تعالى
معنى (عمد) في القرآن الكريم
الأساس العصبي للحدس: هل يستطيع دماغك فعلًا أن يعرف قبل أن تعرف أنت
الإمام السابع
حجية العقل عند الإمام الكاظم (ع)
الكاظم.. تهجّد في محاريب الشّوق
وجهة
أمسية للأديبة مريم الحسن بعنوان: (الحكاية الشّعبيّة في القصّة الأحسائيّة)
علّة اختيار موسى (ع) لهارون (ع) وزيرًا