
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
صنّف أحدهم كتاباً تحدث فيه بإسهاب عن نظرية النشوء والتطور (مذهب التحول والتكامل) محاولاً إثبات صحتها من خلال تطبيقها على بعض الآيات القرآنية، زاعماً أن القرآن الكريم يدعم هذه النظرية. وعلى هذا الأساس استدلّ بالآيتين التاليتين:
1- قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾(1).
حيث استنبط المؤلف من عبارة "من قبل" وكذلك "ولم يك شيئاً" أن الإنسان قبل بلوغه مرحلة الكمال كان شيئاً ما؛ فكان يعيش بصور مختلفة متدرجاً من الحيوان وحيد الخلية إلى القرد، ولم يكن متصفاً بأيّ من الكمالات الإنسانية، لا من الناحية الجسدية ولا المعنوية!
2- قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾(2).
وقد عوّل الكاتب في هذه الآية على قوله تعالى: "لم يكن شيئاً مذكوراً" ليستنبط منه أن الإنسان كان يمثل شيئاً ما قبل اكتسابه القابلية على ذكر اسمه في الكتب الإلهية؛ غاية الأمر أنه نتيجة لعدم حيازته الكمال الإنساني وانخراطه في زمرة الحيوانات لم يكن ليستحق ذكر اسمه والتحدث عنه في الكتب السماوية (صحف إبراهيم، والتوراة، والإنجيل والقرآن).
أتدلّ الآيات المذكورة حقاً على التحول والتكامل التدريجي للإنسان؟ وإن لم تكن ذات صلة بنظرية النشوء والتطور فما المقصود منها؟
نحن نعتقد أنه لا صلة للآيات المذكورة آنفاً بنظرية النشوء والتطور أو مذهب التحول والتكامل التدريجي للموجودات، بل لهذه الآيات معانٍ أخرى نذكرها فيما يلي:
تفسر الآية الأولى:
من جملة الأشياء التي يصعب على الإنسان التصديق بها ويتعسر عليه إقناع نفسه بالإيمان بها بسهولة هي موضوع المعاد؛ أي إحياء الناس في عالم الآخرة بعد فنائهم في عالم الدنيا.
لذا نزلت آيات قرآنية عديدة تبين أحوال منكري المعاد وتبطل ظنونهم بشأن استبعاد وقوعه، منها الآيات 66- 68 من سورة مريم.
في هذه الآيات، يبين الله تعالى أحوال منكري يوم القيامة ويردّ عليهم بقوله: ﴿وَيَقُولُ الْإنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ...﴾(3).
تلاحظون أن مصنف الكتاب استدل بقوله تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾، وهي في مقام الردّ على القائلين: كيف يمكن إحياء الإنسان مرة أخرى وإرجاعه إلى حالته الأولى بعد موته وتبدد ذرات بدنه؟ أنسي الإنسان بداية خلقه؟ ألا يعلم أننا خلقناه من العدم ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ وأدخلناه حيّز الوجود؟
فمع أخذ قدرة الخلق من العدم بنظر الاعتبار، أنّى لأولئك إنكار بعث الأموات وهم يعلمون أن موادهم الأولية -إن صحّ التعبير- لا تفنى طبقاً لقانون "بقاء المادة والطاقة"؟ أو لا يستطيع الله القادر على الإخراج من العدم والإدخال في حيز الوجود أن يجمع أجزاء بدن الإنسان المتفرقة وأوصاله المتبددة؟
بناء على هذا، فالآية الآنفة ليست بصدد بيان أن الإنسان قبل أن يبلغ مرحلة الكمال الفعلية كان عبارة عن موجودات حية أخرى تدرّجت في سلّم الكمال حتى وصلت هذه المرحلة، بل نزلت بهدف إثبات القيامة والمعاد ووردت في مقام الردّ على المنكرين، شأنها في ذلك شأن كثير من الآيات الأخرى.
تفسير الآية الثانية:
لو انفصل الطفل حديث الولادة عن والديه في أعقاب حادثةٍ ما، وبقي في جوّ بارد جداً، فمما لا شك فيه أنه لن يمضي عليه أمد طويل حتى يتجرع مرارة الموت. أما لو عثر عليه أحد المحسنين وأخذه إلى بيته وحنا عليه حنوّ الأب العطوف، ولم يبخل عليه بأنواع المحبة والمودة، وترعرع في كنفه متنعماً بما يغدق عليه من النعيم؛ فلا غرو أن الطفل اليتيم بالأمس يجد نفسه اليوم متمتعاً بكل مستلزمات الحياة وغنياً عن الآخرين.
وربما أخذ منه الغرور والكبر مأخذاً فجعله ينسى فضائل ذلك الشخص المحسن، وقد يقع أحياناً أنه ينازعه ويخاصمه ويجحد نعمه عليه انطلاقاً من مصالحه الخاصة.
وهنا يحقّ للشخص المحسن أن يذكّر صاحبه بمرحلة العجز واليتم، ويوبخه على كفران النعمة. وهذا هو ما فعله الله سبحانه وتعالى مع الإنسان، فجاء ليذكّره به في أوائل سورة الإنسان من أجل كبح جماح الطغاة وإيقاظ الغافلين الذين تناسوا أو نسوا بدء الخلقة وسلكوا سبيل الجحود. فقال تعالى: (هل أتى...) أي أما آن للإنسان الذي انتهج طريق الكفر أن يفكر فيما قبل أن تتعلق إرادة الله تعالى بوجوده، وأنه لم يكن إذ ذاك شيئاً مذكوراً، فأخرجه تعالى من العدم إلى الوجود، وألبسه لباس الإنسانية؟ أإنه نسي هذه النعم والمواهب الجليلة فسلك سبيل الكفر والطغيان؟
بناء على هذا، فالآية المذكورة لا صلة لها بنظرية النشوء والتطور أو التحول والتكامل التدريجي للمخلوقات الحية.
________________________________________
1- مريم:67.
2- الانسان: 1.
3- مريم: 66- 68.
مجسّات النص الشّعري وكبسولات الرّؤيا
هادي رسول
نكِّروا لها عرشها
الشاعر هادي رسول
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
السّيّدة زينب: جوهرة عقد الإمامة
حسين حسن آل جامع
غواية ثبات وذريعة حضور
محمد أبو عبدالله
حفرة معدن الطّيب
علي الخويلدي
نغم محطّم
زكي السالم
ضوضائي العظمى
حبيب المعاتيق
أولى انتصاراتي أن أريدا
أحمد الرويعي
مقام الحبّ
فريد عبد الله النمر
معارج الشّوق
زهراء الشوكان
لا تقتلوه
إبراهيم بوشفيع
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
المركز الثّاني لعلي آل قمبر في جائزة راشد بن حميد
العسيّف يوقّع في باريس كتابه الجديد
الشّيخ العبدالله يستعرض العلاقة بين الغذاء وصحة الإنسان في عرش البيان
اللّؤلؤة ورمزيّتها للخلود عند سكّان الخليج
(كائنًا ما تكون) جديد الكاتب والشّاعر فاضل الجابر
(ابتهالات ثقافيّة) كتاب يوثّق رحلة ملتقى ابتهال الثّقافيّ في الأحساء
زكي السّالم: (كونك مديرًا لأمسية.. أليس من حقك أن تكون أحد نجومها؟)
مجموعة من الوثائق الخاصّة بالشّيخ محمّد بن الشّيخ حسن أبو مجلّي
أبناء الشّاعر محمد الجلواح يحتفون بوالدهم في أمسية شعريّة استثنائية
رحلة الشّيخ منصور بن سبيّ الأحسائيّ بين الكتب وأسرار النّجوم