
كما جاء الوعد بالنصر عقب صلح الحديبية ودخول مكّة وعدًا محقّقًا، كان فيه الظفر النهائي للإسلام على الكفر والإلحاد: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * - (فتح خيبر أو فتح مكة) - وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها - (مع النبي وستدوم بعده) - فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ - (مغانم خيبر) - وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ - (حيث رأوا شوكتهم وأبهتكم فهابوكم) - وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً) «1». نعم، كان تحقّق هذا النصر وتلك الغلبة آية للمؤمنين وعبرة لمن سواهم.
(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ - (في عمرة القضاء) - إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً * - (فتح مكة ودخولها مظفرين) - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) «2».
وكذلك وعده بالنصر والرجوع إلى بلده الآمن كما كان: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) «3».
قال الطبرسي: في الآية دلالة على صدق النبوّ ، لأنه أخبر برجوعه إلى مكّة من غير شرط ولا استثناء، وجاء المخبر به مطابقًا للخبر. قال القتيبي: فعاد الرجل بلده، لأنه يتصرّف في البلاد ثمّ يعود إليه «4».
وكذلك إخباره عن اعتذارات تذرّع بها المتخلّفون من الأعراب، منها عام الخروج إلى الحديبية سنة ستّ من الهجرة والمسير إلى عمرة القضاء، فاستنفر من حول المدينة جماعات، وتثاقل عنه آخرون. قال تعالى بشأنهم: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ - إلى قوله - بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً) «5».
(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ - (بعد فتح خيبر) - لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ) «6». (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُون)َ «7».
قال الطبرسي: الداعي هو النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لأنّه قد دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة وقتال أقوام ذوي نجدة وشدّة مثل أهل حنين والطائف ومؤتة وتبوك وغيرها «8».
وهكذا الإخبار عن قولة المشركين وغيرهم، وقد تحقّق في وقت قريب دليلاً على الإعجاز: قال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها...) «9».
وقال: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) «10». تلك قولة من سقطت حجّته واستفلس برهانه، ومن ثمّ ردّ عليهم سبحانه بقوله: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) «11».
ومن الإخبار بالغيب القريب ما جاء بشأن غلبة الفرس على الروم وسينقلب الأمر في وقت قريب. قال تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) «12».
كانت المعارك دامية بين الروم والفرس أيّام الملك «خسرو أبرويز» فكانت الحروب مستمرّة من سنة 603 م إلى سنة 627 م، وكانت الكفّة راجحة لإيران في أول الأمر حتّى عام 622 م، وبعده انقلب الأمر ودارت الدائرة على إيران، وكانت الغلبة لبيزانس حيث الغلبة حالفت هرقل ملك الروم حتّى نهاية أمر خسرو أبرويز عام 628 م حيث قتل في الطامورة على يد نجباء إيران ذلك اليوم، وبدأ ملك «شيرويه» الملك الذي انهزم أمام جيوش الإسلام في نهاية الأمر «13».
والآية نزلت بمكّة، حيث كانت الغلبة للفرس على الروم، حتّى عام 622 م وهو عام الهجرة إلى المدينة، فكانت الهجرة مقارنة لغلبة الروم على الفرس، تمهيدًا للفتوحات التي كانت تنتظر المسلمين تجاه قوى الفرس المنحلّة بعد تلك الحروب الدامية، وقد شلّت قواهم تجاه تلك المعارك المضنية.
ولعلّ الآية نزلت في بعض فتوحات الفرس لبلاد الروم، ولا سيّما فيما قارب بلاد العرب ، ولعلّه الحرب التي وقعت في صالح الفرس عام 617 م ، حيث فتحوا بلاد الشام وحاولوا الهجمة على مصر والإسكندرية ، وهذا قبل الهجرة بخمس سنين تقريبا ، ومن ثمّ كان الايعاز بغلبة الروم على الفرس حوالي عشر سنين - أي سنة 627 م - تقريبا ، أي بعد الهجرة بخمس سنين - وبذلك كان الرجاء في ظفر المسلمين أيضا على الفرس حينذاك قريبا ، وبذلك يفرح المؤمنون .
وآخر سورة كاملة نزلت من القرآن هي سورة النصر: (بسم الله الرحمن الرحيم * إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) «14».
نزلت بعد فتح مكّة وظهور الإسلام ظهورًا كاملًا، وجعلت العرب تتسابق إلى الدخول في الإسلام أفواجًا أفواجًا، فجاءت السورة مبشّرة بهذا الفتح وحسن عاقبة الأمر. وقد فرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا، حيث تحقّق وعد اللّه بالنصر والغلبة النهائية.
لكن العبّاس بن عبد المطلّب - عمّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله - لمّا سمع بها اغتمّ وبكى، فقيل له: ما يبكيك وقد استبشر المسلمون بها؟! قال: أظنّ أنّه قد نعيت إلى ابن أخي نفسه الكريمة. فقيل بذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - فقال: صدق عمّي، قد نعيت إليّ نفسي، وهي مقبوضة في هذا العام «15». ذلك أنّ السورة إيعاز بكمال رسالته وإتمامها، فقد حان أوان الرحيل إلى لقاء اللّه.
ومنها آيات وراثة الأرض للعباد الصالحين في وقت عاجل وآجل جميعًا. قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) «16». (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) «17».
والآيات وإن كنّ نزلن بشأن بني إسرائيل - في ظاهر تفسيرهنّ - لكن عموم القاعدة المستفادة من آية أخرى جاءت عامّة: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ «18» مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) «19».
إنّها سنّة إلهية جارية في الخلق، سوف يرث المستضعفون المستكبرين في الأرض ويستخلفونهم في عمارتها، وجاء تأويل مثل تلكم الآيات في ظهور دولة الحقّ في آخر الزمان «20»، رزقنا اللّه شهودها إن شاء اللّه....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفتح: 18 - 20.
(2) الفتح: 27 و 28.
(3) القصص: 85.
(4) مجمع البيان: ج 7 ص 269.
(5) الفتح: 11 - 12.
(6) الفتح: 15.
(7) الفتح: 16.
(8) مجمع البيان: ج 9 ص 115 - 116.
(9) البقرة: 142.
(10) الأنعام: 148.
(11) الأنعام: 149.
(12) الروم: 2 - 6.
(13) راجع تاريخ إيران لحسن پيرنيا: ص 222 - 227.
(14) النصر: 1 - 3.
(15) راجع مجمع البيان: ج 10 ص 554.
(16) النور: 55.
(17) القصص: 5.
(18) راجع مزامير داود - في العهد القديم - فصل 37.
(19) الأنبياء: 105.
(20) راجع الصافي للفيض الكاشاني: ج 2 ص 107 وص 178 وص 253.
خصائص الصيام (1)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الموانع من حضور الضيافة الإلهية
الشيخ محمد صنقور
البعث والإحياء بعد الموت
الشيخ محمد جواد مغنية
معرفة الإنسان في القرآن (6)
الشيخ مرتضى الباشا
معنى (فور) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
أهميّة قوة العضلات في خفض معدّل الوفيات للنّساء فوق الستين
عدنان الحاجي
البعض لا يتغيّر حتّى في شهر رمضان المبارك، فماذا عنك أنت؟!
الشيخ علي رضا بناهيان
أبو طالب عليه السلام المظلوم المفترى عليه (3)
السيد جعفر مرتضى
شروط استجابة الدعاء
الشيخ محمد مصباح يزدي
اللهمّ إني أفتتح الثّناء بحمدك
السيد محمد حسين الطهراني
السيّدة خديجة: سيّدة بيت النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشكاة اللّيل
فريد عبد الله النمر
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
خصائص الصيام (1)
الموانع من حضور الضيافة الإلهية
البعث والإحياء بعد الموت
حديث للاختصاصيّ النّفسيّ أسعد النمر حول توظيف التّقنية في العلاج النّفسيّ
التقوى، العطاء، الإيثار في شهر رمضان
شرح دعاء اليوم الثاني عشر من شهر رمضان
معرفة الإنسان في القرآن (6)
شرح دعاء اليوم الحادي عشر من شهر رمضان
لقاء الرحمة والعبادة
معنى (فور) في القرآن الكريم