
طاهرة آل سيف
مدخل : الإدراك الجمالي وانفصال المبدع
يقول الفيلسوف هنري برجسون: (لقد عملت المصادفات السعيدة على ظهور أناس تبدو حواسهم ومشاعرهم أقل التحامًا بالحياة الاعتيادية؛ فهؤلاء عندما ينظرون إلى شيء فإنهم لا يرونه لأنفسهم، بل يرونه لنفسه هو. إنهم منفصلون في جانبٍ من جوانبهم، سواء كان هذا الجانب هو إحدى الحواس أو هو الشعور نفسه تجاه الواقع والحقيقة الخارجية. هؤلاء يولدون مصورين أو موسيقيين أو شعراء).
قد يراود هذا التصور قارئ كتاب نداء على حافة الأبدية بعد أن يُغلق صفحته الأخيرة؛ إذ يبدو العمل وكأنه ينتمي إلى تصنيف خاص، يتقاطع فيه الشعر مع التأملات والذكريات ذات الطابع السردي، إن صح التعبير. فالكتاب لا يكتفي برصد المكان والزمان، بل يستحضرهما بثباتٍ حاضرٍ وذاكرة نقية، يُخضع القارئ للدخول إلى عالم مألوف، لكنه مشبع بتأملٍ موازٍ للأفكار المطروحة.
سؤال البراءة واتساع العتمة
إنها لحظات منتقاة من الزمن، مربوطة بفكرة مؤثرة أو لنقُل فكرة قلقة، كتلك التي تبحث عن إجابات لشكٍ لا يكتمل. فما الذي يعنيه أن تتمثل البراءة في سؤال صغير، كالسؤال عن اسم القابلة “طماطمية” مثلًا؟ سؤالٌ يكبر مع نضج العتمة، ومع اليد ذاتها التي أخرجت صاحبها من الكهف، كما يصف الكاتب في أحد نصوصه:
(في العتمة لستَ بحاجة لشيء سوى أن تكون متصلًا بحبل الغيب كي تحظى بالاطمئنان المطلق. الغيب حبلنا السري الخفي الذي لا يطلع عليه أحد. كيف استطاعوا الاطلاع عليه والوصول إليه وقطعه؟!).
هذا الامتداد السردي، المتكئ على حكايات القابلات ولحظات تلقف المواليد، يشتغل على منطقة حساسة: لحظة اختراق العدم والسفر إلى حياة مدججة بالتناقضات؛ تبدأ بالحزن والخوف والسؤال، ولا تنتهي عند الفرح والدهشة والذكرى والإرث، بل تمتد حتى الفناء.
الثنائية (الشعرية السردية) وتوليد المعنى
يشتمل الكتاب على عناوين سردية مشغولة بالمعنى، تعقبها نداءات شعرية، في بنية ثنائية متجاورة: (شارع الخلد - نداء الوقت، قرية من سحاب - نداء الظلال، بنت إبراهيم في رداء بروميثيوس - نداء المعنى، بيت حجّ حمد - نداء النسيان…).
وهي بنية تعكس اشتغالًا واعيًا على ثنائية المكان والزمان، كمجالًا حيًا بعيداً عن الجمود لإعادة إنتاج المعنى.
إنها تجربة عميقة لا تكتفي بتطويع أدوات الذاكرة والمكان والزمان، بل تسعى إلى خلق نقطة تماس مؤثرة، تربط التأمل بالجذور. فالإنسان، في هذا النص، لا يمكن فصله عن زمنه ومكانه؛ هو جزء من السدرة، والرصيف، والسطوح، والشروق، والبحر، والنخيل. وهو أيضًا امتداد لإرثٍ حي، يتجلى في أماكن مثل “بيت حجّ حمد”، وجغرافيا تشبه “حي الوسادة”، وحتى “شارع الخلد” الذي يُزف إليه كخاتمة سريعة الإجراء، تمتد في نداء الأموات—نداء تحفظه الذاكرة بوصفه مرثية تتواطأ مع الريح لتلملم سنوات العمر، طويلة كانت أم قصيرة.
اللغة وتحويل الذاكرة إلى أثر
في هذا السياق، يمكن النظر إلى “سردية الوقت في ذاكرة الغياب” كتجليّ لسلطة اللغة والفكر معًا؛ تلك السلطة التي تعمل على تحويل الواقع-بما فيه من ذاكرة وتداعيات-إلى مادة تتقطر عبر التأمل، وتتشكل في هيئة شعر وفلسفة، حيث لا يعود الزمن مجرد مرورٍ عابر، بل تجربة قابلة للكتابة، وإعادة الاكتشاف.
الرصيف كأكاديمية للمعرفة اليومية
وفي مشهدٍ آخر، ينقلنا الكاتب إلى أحاديث اعتيادية تُدار في لحظة انتظار، محتشدة برائحة الخبز مساءً، حيث يقول: (قد يتطور طابور الانتظار إلى حلقة معرفية، فقد يهيمن الإصغاء حين يتداول الشباب أفكارهم الحديثة على شكل جدل حقيقي… إنها حكايات الخبز المسائية، أما حكاياته الصباحية فهي هادئة صامتة، ليس من معرفة على الرصيف).
هنا حيث لا يكون الوقوف مجرد زمنٍ عابر، لكنها تجربة مشبعة بالدلالة؛ إذ يتحول الرصيف إلى ما يشبه “أكاديمية” يومية، تُنتج معرفة عفوية، وتعيد تشكيل علاقة الإنسان بزمنه البسيط. غير أن هذا الزمن ذاته يخضع لتحولات الزمن الجديد، حيث تتبدل طقوس الانتظار، وتصبح الأرغفة نفسها المجهزة في أكياس هي من تقف في الطوابير وتنتظر المشترين. وفي هذا السياق يكتب: (علّمه أن الوقوف فلسفة البدايات المتمردة على قدر الغياب القادم).
جدلية الزمان والمكان في الذاكرة
يقول أرسطو في تعريف الزمان: إنه “صورة متحركة للأبدية”، بينما يرى كارل ماركس أنه “صورة من صور المادة”. أما الشاعر هادي فيقدّم لنا تصورًا ثالثًا ينبثق من التجربة الشعرية حيث يقول: (حين تستعيد الذاكرة مكانًا، فهي تستعيد نشاط مخيلتها لزمن ذلك المكان، وحين تستعيد زمانًا ما، فهي تستعيد نشاطها التخيلي لمكان ذلك الزمن الذي تستحضره).
في أعماقنا الذاتية واللاشعورية تعوم صور بعيدة للأمكنة، ملتحمةً بالأزمنة، مشكلةً أطر وجودنا الإنساني، المعنوي والمادي. هذه الأطر سرعان ما تتلاشى، تاركة في داخلنا قلق الفقد وهواجس الزوال، ودافعًا خفيًّا للبحث عنها في دهاليز الذاكرة. وما إن نعثر على أثرٍ منها وصفيًّا كان أو رمزيًّا حتى نشعر أن شيئًا من طفولتنا قد عاد لزيارتنا؛ زيارة محددة في مدتها، مجهولة في لحظة حدوثها، وهذا ما يقارب وصف حسن مطلق في تعبيره عن الذاكرة.
وفي كثير من الأحيان، نشعر أننا قد استعرنا ذاكرة الآخرين، حين تتقاطع رموزهم مع رموزنا، عبر نصٍ أو فكرة. إن هذا أكثر ما يمنح الكتاب طابعًا تشاركيًّا في التجربة، حيث تصبح الذاكرة الفردية امتدادًا لذاكرة جماعية.
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
معنى أنَّ الإمام الرضا (ع) رضيَ به المخالفون
الشيخ محمد صنقور
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)
محمود حيدر
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
معنى (ولج) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
لا تبذل المجهود!
عبدالعزيز آل زايد
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
حسين حسن آل جامع
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
قراءة في كتاب: (نداء على حافة الأبدية) للشاعر هادي رسول
معنى أنَّ الإمام الرضا (ع) رضيَ به المخالفون
الإمام الرضا عليه السلام: 19 عاماً من الجهاد
الصداقة الناجحة في كلمات الإمام الرضا (ع)
الحادي عشر من شهر ذي القعدة سنة 148 ه: ولادة الإمام الرّضا (عليه السّلام)
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
علاج ضوئي جديد يمكنه كبح أحد أهم مؤشرات تساقط الشعر
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)