
لا بُدّ مِن الالتفات إلى أنّ الصوم أحد المصاديق الواضحة للصبر، لأنّ الإِنسان يحصل -في ظلّ هذه العبادة الكبرى- على الإِرادة القويّة والإِيمان الراسخ والقدرة على التحكّم في الميول والرغبات والأهواء النفسيّة؛ في رواية طويلة سألَ فيها رجلٌ مِن اليهود النبيّ (صلى الله عليه وآله) مجموعة مِن الأسئلة: ... فَأَخْبِرْنِي عَنِ اَلثَامِنِ، لِأَيِّ شَيْءٍ اِفْتَرَضَ اَللَّهُ صَوْماً عَلَى أُمَّتِكَ ثَلاَثِينَ يَوْماً، وَاِفْتَرَضَ عَلَى سَائِرِ اَلْأُمَمِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ اَلنَبِيُّ (صلى الله عليه وآله): «إِنَّ آدَمَ (عليه السلام) لَمَّا أَنْ أَكَلَ مِنَ اَلشَجَرَةِ، بَقِيَ فِي جَوْفِهِ مِقْدَارُ ثَلاَثِينَ يَوْماً، فَافْتَرَضَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ ثَلاَثِينَ يَوْماً الجُوعَ وَالعَطَشَ، وَمَا يَأْكُلُونَهُ بِالليْلِ فَهُوَ تَفَضُّلٌ مِنَ اَللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ لِآدَمَ (عليه السلام) ثَلاثونَ يَوْماً كَمَا عَلَى أُمَّتِي».
ثُمَّ تَلاَ اَلْآيَةَ: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾[1]، قَالَ: صَدَقْتَ، يَا مُحَمَّد. فَمَا جَزَاءُ مَنْ صَامَهَا؟ فَقَالَ اَلنَبِيُّ (صلى الله عليه وآله): «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَصُومُ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، حَاسِباً مُحْتَسِباً، إِلّا أوْجَبَ اَللَّهُ تَعَالَى لَهُ سَبْعَ خِصَال؛ أَوَّلُ الخصْلَةِ يَذُوبُ الحَرَامُ مِنْ جَسَدِهِ، وَاَلثَانِي يَتَقَرَّبُ إِلَى رَحْمَةِ اَللَّهِ، وَاَلثَالِثُ يُكَفِّرُ خَطِيئَتَه، أَلاَ تَعْلَمُ أَنَّ الكَفَّارَاتِ فِي الصَوْمِ يُكَفِّرُ، وَالرَابِعُ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ سَكَرَاتِ المَوْتِ، وَالخَامِسُ آمَنَهُ اللَّهُ مِنَ الجُوعِ وَالعَطَشِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَالسادِسُ بَرَاءَةٌ مِنَ اَلنَارِ، وَالسَابِعُ أَطْعَمَهُ اَللَّهُ مِنْ طَيِّبَاتِ الجَنَّةِ». قَالَ: صَدَقْتَ، يا مُحَمَّد[2].
إذاً، ليس الصوم عن الطعام والشراب فَقط، بل عن سائر الأعمال القبيحة والرذيلة أيضاً، كالكذب والحسد والمحرّمات؛ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كَمْ مِنْ صَائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلّا الظَمَأُ! وَكَمْ مِنْ قَائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلّا العَنَاء! حَبَّذَا نَوْم الأكيَاسِ وَإِفْطَارهُمْ»[3].
علّة الصيام
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَرَضَ اللَّه... الصيَامَ ابْتِلَاءً لإِخْلَاصِ الْخَلْقِ»[4]، وقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن الله تعالى: «الصوم لي، وأنا أجزي عليه»[5]؛ لأنّ الصوم أمر لا يطّلع عليه أحد، فَلا يقوم به على وجهه إلّا المخلصون[6].
إنّ الصِيام فريضة أوجبها الله على العباد، وهو عامل فاعل في تربية روح التقوى في المجالات والأبعاد جميعها، ومهيِّئٌ لقبول الحكم في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾[7]؛ إذ إنّ النداءَ يفتح شغاف القلب ويرفع معنويّات الإنسان ويشحذ همّته، فَقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لذّة النداء -يا أيّها الذين آمنوا- أزالت تعب العبادة والعناء»[8]. ثمّ تُبيّن الآية أنّ الصوم فريضة كتبت أيضاً على الأمم السابقة، وتبيِّن فلسفة الصوم ومنافعه، لتكون هذه العبادة محبّبة لدى النفس[9]. لذا، تقترن هذه العبادة بِالصبر على ترك اللذائذ المادّيّة.
والله تعالى إنّما فرض الصيام ليختبرنا به؛ ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡء مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ﴾[10]. ثمّ بشّر الصابرين؛ ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾[11]. عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ﴾[12]: «الصبْرُ الصيَامُ» وَ«إِذَا نَزلَتْ بِالرَجُلِ النَازِلَةُ وَالشَدِيدَةُ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ﴾؛ يَعْنِي الصِيَامَ»[13]. فَمَن صبَرَ على ألمِ الجوع والعطش، وتَرَك ملذّات الدنيا، وأمسكَ عمّا يبغضه الله، فَقد أخلص لله عزّ وَجلّ في صيامه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جمعية المعارف الإسلامية
[1] سورة البقرة، الآية 183.
[2] المفيد، الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان، الاختصاص، تحقيق عليّ أكبر الغفّاريّ والسيّد محمود الزرنديّ، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1414هـ - 1993م، ط2، ص38.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج67، ص283.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص512، الحكمة 252.
[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص63.
[6] ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، تحقيق وتصحيح محمّد أبو الفضل إبراهيم، نشر مكتبة آية الله المرعشيّ النجفيّ، إيران - قمّ، 1404هـ، ط1، ودار إحياء الكتب العربيّة - عيسى البابيّ الحلبيّ وشركاه، 1378هـ - 1959م، ط1، ج19، ص87.
[7] سورة البقرة، الآية 183.
[8] قطب الدين الراونديّ، أبو الحسين سعيد بن هبة الله، فقه القرآن، تحقيق السيّد أحمد الحسينيّ، مكتبة آية اللّه العظمى النجفيّ المرعشيّ، إيران - قمّ، 1405ه، ط2، ج1، ص72.
[9] الشيرازيّ، الشيخ ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مدرسة الإمام عليّ بن أبي طالب، إيران - قمّ، 1426ه، ط1، ج1، ص518.
[10] سورة البقرة، الآية 155.
[11] سورة البقرة، الآية 155.
[12] سورة البقرة، الآية 45.
[13] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص63.
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
أسباب الحبّ
حبيب المعاتيق
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
حسين حسن آل جامع
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
وجهة
ناجي حرابة
الميتافيزيقا المثلومة
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
مقام الرضا الأعظم
معنى (لفت) في القرآن الكريم
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
أسباب الحبّ
آل ربح والسّيهاتي يوقّعان في القطيف إصدارَيهما الجديدين
اختتام النسخة الحادية عشرة من حملة التّبرّع بالدّم (عطاؤك حياة)
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
قراءة في كتاب: (نداء على حافة الأبدية) للشاعر هادي رسول