
ممّا لا شك فيه أنّ النعم المادية في الجنّة لا تنحصر، فطبيعة هذا العالم المحدود تحول دون أن يكون لدينا تصور متكامل عن النعم المادية والروحانية في العالم الآخر.
ومن جهة أخرى، إنّ حب التنوع عند الإنسان يدفعه لطلب المزيد من المواهب والنعم المختلفة، ولذا عني القرآن الكريم بهذه المسألة عناية خاصة وأعلن صراحة: {وَفِيهَا ماتَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} (الزخرف/ 71). وهذا التعبير هو أكثر التعابير شمولية وجمعاً فيما يتعلق بالمواهب والنعم الإلهيّة في الجنّة.
يقول المرحوم (الطبرسي) في مجمع البيان: «لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يصفوا ما في الجنّة من أنواع النعيم لم يزيدوا على ما انتظمته هاتان الصفتان» «1». والملفت هو ذكر هذه الجملة بعد بيان العديد من نعم الجنّة حتى يُعْرف أنّ نعم الجنّة لا تنحصر بها.
وهنا يطرح هذا السؤال: لماذا ذكر تعالى لذة الأعين بعد لذة الأنفس؟ هناك عدّة احتمالات:
الأول: أنّ جملة «تشتهيه الأنفس» تشمل جميع اللذات، أمّا لذّة «الأعين» ولِما لها من أهميّة استثنائية فقد وردت على شكل (ذكر الخاص بعد العام).
الثاني: أنّ الجملة الأولى إشارة إلى لذات جميع الحواس (حاسة السمع، واللمس، والذوق، والشم)، أمّا جملة «تلذ الأعين» فهي إشارة إلى لذة حاسة البصر وهذه اللذة تعادل جميع اللذات أو أكثر.
الثالث : أنّ الجملة الأولى أشارت إلى جميع اللذات الجسمانية (المادية)، أمّا الجملة الثانية فقد أشارت إلى اللذات الروحانية (المعنوية). أي النظر بعين البصيرة إلى جمال الخالق المطلق، ومشاهدة صفات الجمال والجلال التي تعادل كل لحظة منها جميع النعم المادية في الجنّة.
ومن الواضح أنّ محيط الجنّة محيط منزه ومقدس، لذا فإنّ طلبات الإنسان من أنواع النعم (المشروبة والمأكولة والملبوسة والمشمومة وغيرها) لا تتعدى الأشياء الظاهرة التي تليق بالإنسان الطاهر، وعلى هذا فلا استثناء في عمومية الآية، ولا تحتاج إلى تساؤلات هذا وذاك من قبيل هل تشمل الطلبات السيئة للنفس؟
لقد ورد نفس هذا المعنى في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشتَهِى انفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا ماتَدَّعُونَ} «2» (فصلت/ 31).
قال بعض المفسرين: إنّ الجملة الأولى إشارة إلى جميع النعم المادية في الجنّة، أمّا الجملة الثانية فهي إشارة إلى المواهب المعنوية بقرينة قوله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ انِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (يونس/ 10).
إنّ هذا التفسير يعتبر تفسيراً مناسباً، حيث إنّ شهوة النفس تكون أكثر فيما يتعلق بـ (المسائل المادية)، أمّا الدعاء فيستعمل عادة في المسائل المعنوية. ونقرأ تعبيراً آخر في قوله تعالى : {وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ انفُسُهُمْ خَالِدُونَ}. (الأنبياء/ 102) وإضافة إلى ما ذكرنا هناك آيات أخرى في هذا المجال:
فنجد في تعبير جديد: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} (نحل/ 31). وكذلك ورد نفس هذا التعبير في سورة الفرقان الآية 16. ويلاحظ هذا التعبير أيضاً (وبشيء من الاختلاف) في ثلاث سور أخرى من القرآن (الزمر/ 34، والشورى/ 22، و ق/ 35).
ويتّضح من مجموع ما ذكر في هذا الفصل، أنّ العطاء الإلهي في الجنّة لا تحدّه أي حدود، لا من حيث المقدار، ولا الكيفية والنوع، ولا الزمان والمكان، وبناءً على ذلك فإنّ ما ذكر إنّما هو عبارة عن نماذج واضحة لما يمكن أن يدركه أهل هذا العالم إجمالًا، أمّا النعم التي هي فوق تصورنا وإدراكنا فقد أشارت إليها الآيات القرآنية المذكورة بعبارات أكثر شمولية وعمومية.
وفي الحقيقة إنّ الجنّة والعطاء الإلهي فيها ما هو إلّا مظهر كامل من مظاهر القدرة واللطف الإلهي، وبما أنّه لا نهاية لقدرته ولطفه تعالى.. فكذلك لا نهاية ولاحد لعطاياه ومواهبه في الجنّة.
_________________________
(1). تفسير مجمع البيان، ج 5، ص 56.
(2). «يدَّعُون» من مادة «ادّعاء» (افتعال من دعاء) بمعنى طلب الشيء.
مجسّات النص الشّعري وكبسولات الرّؤيا
هادي رسول
نكِّروا لها عرشها
الشاعر هادي رسول
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
السّيّدة زينب: جوهرة عقد الإمامة
حسين حسن آل جامع
غواية ثبات وذريعة حضور
محمد أبو عبدالله
حفرة معدن الطّيب
علي الخويلدي
نغم محطّم
زكي السالم
ضوضائي العظمى
حبيب المعاتيق
أولى انتصاراتي أن أريدا
أحمد الرويعي
مقام الحبّ
فريد عبد الله النمر
معارج الشّوق
زهراء الشوكان
لا تقتلوه
إبراهيم بوشفيع
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
المركز الثّاني لعلي آل قمبر في جائزة راشد بن حميد
العسيّف يوقّع في باريس كتابه الجديد
الشّيخ العبدالله يستعرض العلاقة بين الغذاء وصحة الإنسان في عرش البيان
اللّؤلؤة ورمزيّتها للخلود عند سكّان الخليج
(كائنًا ما تكون) جديد الكاتب والشّاعر فاضل الجابر
(ابتهالات ثقافيّة) كتاب يوثّق رحلة ملتقى ابتهال الثّقافيّ في الأحساء
زكي السّالم: (كونك مديرًا لأمسية.. أليس من حقك أن تكون أحد نجومها؟)
مجموعة من الوثائق الخاصّة بالشّيخ محمّد بن الشّيخ حسن أبو مجلّي
أبناء الشّاعر محمد الجلواح يحتفون بوالدهم في أمسية شعريّة استثنائية
رحلة الشّيخ منصور بن سبيّ الأحسائيّ بين الكتب وأسرار النّجوم