متابعات

جاسم الصّحيح عبر بودكاست (كناية): من ذاكرة الجفر الأولى إلى فضاء الشّعر

شارك مؤخرًا الشّاعر جاسم الصّحيح في بودكاست (كناية) عبر منصّة (أثير)، في لقاء طويل ثريّ غنّيّ بتجربته الإبداعيّة الكبيرة، مليء بالأحداث والصّور والذّكريات الّتي شكّلت منه الشّاعر والمهندس والإنسان.

 

انطلق الصّحيّح باستعادة طفولته الأولى في الجفر بالأحساء، الّتي قال عنها إنّها ليست مجرّد مكان ولد فيه ونشأ، لأنّها وعاء التّشكّل الأوّل ومختبر الحياة، فهي تمثّل بالنّسبة إليه المسجد والحسينيّة والمدرسة والحقل والملعب والطّفولة والبراءة الأولى، وكلّما أراد العودة إلى الذّات الأولى، عاد إليها، بصفتها الحقيقة الخالصة، والمرآة الصّافية، قبل أن تتراكم الأقنعة والتّجارب.

 

وقال الصحيّح إنّه على الرّغم من تحوّلها مع الزّمن، وما طرأ عليها من تغيّرات، إلّا أنّها بقيت في وجدانه قرية حميمة، وملجأً روحيًّا يؤوب إليه حين تطغى عليه مظاهر المدنيّة والحداثة والحياة المادّيّة، وقد عبّر عن ذلك بنصّ له كتبه خلال فترة مرضه وإقامته في المستشفى بمدينة الظّهران، حين اشتاق إلى قريته، ووجد نفسه باحثًا عن ملاذ يعيد إليه سحر الزّمن الأوّل، محمّلاً إيّاه كلّ معاني البوح والحنين، إلى المكان الذي يرى فيه صورته القديمة وطفولته المفقودة.

 

وأشار الصحيّح إلى أنّه نشأ في بيت متواضع من الطّين، في زمن لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى الجفر بعد، حين كانت الأسر تعتمد على السُّرج والقناديل والفوانيس، وكانت أسقف المنازل تُبنى من جذوع النّخيل، فيما تُستخدم سعف النّخيل في الجدران، مبيّنًا شدّة التصاق الإنسان الأحسائيّ بالنّخلة، بكونها جزءًا من البيت والذّاكرة والحياة اليوميّة بتفاصيلها كلّها.

 

وتحدّث الشّاعر جاسم الصحيّح عن طفولته البريئة ولعبه لألعاب شعبيّة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وحضوره إلى المساجد والحسينيّات التي تركت فيه أثرًا كبيرًا وعميقًا في تكوينه الوجدانيّ والإيقاعيّ، ففي ظلّ هذه البيئة وهذا الواقع، تشكّلت لدى الصحيّح ذاكرتان أساسيّتان، الأولى شفويّة تمثّلت في دأبه على مجالسة كبار السّنّ لا سيّما أولئك الذين خاضوا البحر، وكانوا يحفظون "الزّهيريّات" و"الأبوذيّات" والمواويل البحريّة، مستعيدًا بعضًا من سيرة جدّه وجاره اللّذين حفظ عنهما كثيرًا من المواويل والأشعار الشّعبيّة، قبل أن يشير إلى الحسينيّة كفضاء لتكوين حسّه الشّعريّ، ذاكرًا أنّ المنبر الحسينيّ كان يعتمد على قصائد كبار الشّعراء، وكان الحاضرون يتفاعلون معها إيقاعيًّا وجماعيًّا، مؤكّدًا أن روحه تربّت على هذا الإيقاع إلى درجة أنه كان يشعر بالبيت الشّعريّ المكسور قبل أن يعرف بحور الشّعر أو قواعد العَروض، وكأن أذنه ووجدانه تلقّيا الموسيقى الشّعريّة قبل أن يتعلّم مصطلحاتها.

 

وتابع الصّحيح مستعيدًا أسماء شعراء كبار تركوا فيه بالغ التّأثير، كالسّيّد حيدر الحليّ، والسّيّد جعفر الحلّيّ، والشّيخ صالح الكوّاز، والسّيّد رضا الهنديّ، وغيرهم من الشعراء الحسينيّين، قبل أن يشير إلى شعراء آخرين كالجواهري ومحمد العلي، الذي رأى الصحيّح في قصيدته الحسينيّة انتقالًا من مجرّد البكاء والرّثاء إلى آفاق العزّة والكبرياء والمجد.

 

ووصل الصحيّح بالحديث إلى والدته التي كانت إحدى مصادر حسّه الشّعريّة، مبيّنًا أنّ كبار السّنّ كانوا بشكل عامّ يتحدّثون بلغة شعريّة دون إدراكهم أنهم يمارسون الشّعر، مقدّمًا بعض الأمثال التي كانت تضربها والدته، شارحًا عباراتها التي تنطوي على كثير من المعاني البليغة، قائلاً إنّ تلك العبارات أسهمت في تنمية حسّه الشّعريّ، ثمّ استعاد قصيدته التي تحمل العنوان: "الخزنة"، القصيدة التي انبجست أبياتها حين أشارت إليه والدته إلى علبة أدويتها المسمّاة بــ "الخزنة" أو "خزنة المجوهرات" لتتحوّل هذه العبارة العابرة إلى قصيدة بديعة تسلّط الضّوء على المرض والشّيخوخة الذّاكرة، وتجعل من الحبوب والعقاقير حروفًا وكنوزًا ثمينة.   

 

وبالحديث عن الذّاكرة المكتوبة، قال الصحيّح إنّها تمثّلت من خلال قراءة الشّعر الحسينيّ وقراءة كتاب "رياض المدح والرّثاء" الذي يحتوي على مئات القصائد الحسينيّة، قبل أن تتّسع قراءاته في المرحلة المتوسّطة إلى نصوص المتنبّي وعنترة وغيرهما، ويبدأ بحفظ أبيات من الشّعر العربيّ القديم، ليؤكّد بعد ذلك أنّ "نهج البلاغة" وشرح ابن أبي الحديد له، شكّلا محطّة مهمّة في تكوينه الثّقافيّ، لما في الكتاب من بلاغة وفكر وتاريخ وأحداث، ثمّ أشار الصحيّح إلى انفتاحه لاحقًا على الشّعر الحديث واطّلاعه عليه، لتتداخل بذلك في تكوينه عناصر كثيرة هي: المكان والطّفولة والمنبر الحسينيّ واللّغة الشّعبيّة والكتاب، وتصنع منه شاعرًا حمل بقلبه الجفر والإيقاع الحسينيّ وصور الأمّ وأصوات كبار السنّ.

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد