قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ حسن المصطفوي
عن الكاتب :
من علماء إيران المعاصرين، ولد سنة 1336هـ وتوفي يوم الإثنين 20 جمادي الأولى 1426 هـ عن تسعين سنة، حاصل على شهادة الدكتوراه من كلية الالهيات في تبريز ( المعقول والمنقول). له مؤلفات عديدة منها: rn(التحقيق في كلمات القرآن).

الصّبر: الثَّبات في مواجهة المنغِّصات

الأصل الواحد في مادة (صبر) هو: حفظ النّفس عن الاضطراب والجزع، بالسّكون والطّمأنينة.

وبهذا اللّحاظ تستعمل المادّة في موارد تحتاج إلى صبر وتحمّل، إمّا في تهيئته، أو في تجمّعه، أو في إدامة العمل به، أو في أمثال تلك المعاني.

الصَّبر: المعنى اللّغوي

الصّبر: ضدّ الجَزَع. صبرتُ صبراً من باب (ضرب): حبستُ النّفس عن الجزَع، واصطبرتُ: مثله. وصبّرتُ زيداً: يستعمَل لازماً ومتعدّياً. وصبّرتُه: حملتُه على الصبر.

والصّبر: الحبس، ومنه قولهم: قُتل صبراً، أي حُبِسَ حتّى قتل. والرجل مصبور: إذا كان محبوساً.

والصّبر: الدواء المرّ.

والصّبر: ما اشتدّ وغلُظ من الحجارة.

الصَّبير: سحابٌ أبيض.

صبّارة: حَرّة (أرض ذات حجارة سود).

اشتريتُ الشيء صبرةً: إذا اشتريته بلا كيل ولا وزن.

أصبار كلّ شيء: أعلاه. وأصبار الإناء: نواحيه.

ومن الباب: الصَّبير، وهو الكفيل، وإنّما سمّي بذلك لأنّه يصبر على الغُرم.

صبّرتُ الإنسان: إذا حلَّفته باللهِ جهدَ القسم.

الصبّارة: قطعة من حديد أو حجر.

ثمّ إنّ الصّبر باعتبار متعلَّقه على ثلاثة أقسام:

الأوّل: إعمال الصبر في قبال العمل بالوظائف، وإتيان ما هو فرض عليه والاستقامة في هذا الطريق من دون تسامح واضطراب، وهو الصبر على الطاعة.

والثاني: الصبر والتثبّت في ترك ما يلزم له تركه وهو منهيّ عن عمله؛ من المعاصي والمنكرات والمحرّمات، وهو الصبر عن المعصية.

والثالث: الصبر في البلاء، وهو المواجهة بكلّ ما يلائم طبعه، من مصيبة تصيب بدنه أو مكروه يعذّبه، بلا اضطراب.

ويجمع هذه الأقسام الثلاثة: التثبّت والصبر في قبال ما هو غير ملائم له.

فالأوّل كما في قوله تعالى:

- ﴿..فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ..﴾ مريم:65.

- ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا..﴾ طه:132.

والاصطبار افتعال ويدلّ على اختيار الفعل، فإنّ العمل بالطاعة من الأمور الحادثة والمستقبلة، فيلزم التهيّؤ والتصميم للصبر عليه، وهذا هو معنى اختيار الصبر.

والثاني كما في قوله تعالى:

- ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ..﴾ الكهف:67-68.

- ﴿.. سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا..﴾ الكهف:69.

- ﴿..فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ..﴾ الكهف:70.

- ﴿..أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ الكهف:72.

يراد الصبر عن السؤال والاعتراض عليه.

والثالث، كما في قوله تعالى:

- ﴿.. وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ..﴾ لقمان:17.

- ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ..﴾ المزمل:10.

- ﴿..بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ..﴾ يوسف:18.

يراد الصبر في قبال ما يُصيب من المكروهات والبلايا وحوادث السّوء.

وأمّا الصبر بلحاظ الكيفيّة: فهو على أربع مراتب:

1) الصبر بحيث لا يظهر منه جزع واضطراب، وقلنا إنّ الصبر هو حفظ النفس عن الجزع، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿.. سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا..﴾ إبراهيم:21، فذكر الصبر في قبال الجَزَع. وهذا كما في: ﴿..سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ الكهف:69، ﴿.. سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ الكهف:78. فيراد مطلق الصبر.

2) الصبر بحيث لا يرى منه جزع في الظاهر ولا في الباطن، وهذا كما في: ﴿.. وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ آل عمران:186، ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ الشورى:43. فإنّ العزم لا بدّ من تحقّقه في الباطن.

3) الصبر منبعثاً عن المحبّة والشوق كما في: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ..﴾ الرعد:22، وهذا هو الصبر الجميل.

4) الصبر على جهة العبوديّة: فإنّ العبد المخلص ليس له داعٍ ولا هوى ولا نظر ولا مقصود إلَّا الطّاعة والعبوديّة: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ النحل:42، ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ..﴾ النحل:127.

وأيضاً إنّ الصبر تتفاوت مراتبه بحسب خصوصيّات الموارد والموضوعات، من جهة الشدّة والضّعف، والصعوبة والسهولة، ومقدار التحمّل اللّازم ولزوم صرف القوّة والطاقة، وغيرها.

- ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ..﴾ الأحقاف:35.

- ﴿.. وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة:155.

- ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ..﴾ البقرة:61.

فإنّ الصبر بأعباء الرسالة، ليس كالصبر على نقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات، والصبر عليها أيضاً ليس كالصبر والقناعة على طعام واحد.

ولا يخفى أنّ الصبر هو المعيار في تشخيص مرتبة الإنسان من جهة الاستعداد الذاتيّ والوسع الباطنيّ والقدرة الروحيّة، ولا يبلغ الحدّ الأعلى منه إلَّا من كملت نفسه وبلغت غايتها - ﴿.. فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا..﴾ الرعد:17.

فإنّ حقيقة الصبر: هو التحمّل والتفسّح، ومَن كانت سعة وجوده ومقدار تحمّله أزيد: كان استعداده وقوّة روحه أكمل.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد