علمٌ وفكر

الجبر


الإمام الخميني قدس سره ..

وأمّا إبطال الجبر، فمع أنّ تحقيقه كتحقيق إبطال التفويض، على ما هو عليه، موكول إلى بيان مقدّمات مبرهنةٍ في العلم الأعلى، لكن لا محيص عن الإشارة إلى بعض الوجوه منه.
- منها: أنّ الوجود لمّا كان أصلاً في التحقّق، وبسيطاً لا جنس له ولا فصل، ومن ذاته أن يكون ذا مراتب ومشكّكاً بالتشكيك الخاصّ؛ فلا محالة يتعلّق كلّ مرتبةٍ ناقصةٍ بالمرتبة المتلوّة تعلّقاً ذاتيّاً غير متجافية عنها بحيث يكون تعلّقها بمرتبةٍ أخرى غيرها موجباً ومساوقاً للانقلاب الذاتي المستحيل. ومقدّمات هذا البرهان تطلب من مظانّه.
- ومنها: أنه تعالى لمّا كان بسيطاً في غاية البساطة، وجميع صفاته وشؤونه الذاتيّة يرجع إلى الوجود الصرف البسيط، فلا يتصوّر في ذاته وصفاته التجدّد والتصرم والتغيّر؛ وإلا لانقلب البسيط مركّباً، والفعليّة الصرفة قوّة، والوجوب بالذات إمكاناً. ولازم بساطة الذات والصفات أنّ ما يصدر منه يكون صادراً من حاقّ ذاته وتمام هويّته وصرف حقيقته، فلو صدر المتجدّدات والمتصرّمات عنه تعالى من غير وسطٍ وبالمباشرة والمزاولة يلزم منه التغيّر والتصرّم في ذاته وصفاته التي هي عين ذاته. وقد تقدّم فساد كون الإرادة من صفات الفعل لا الذات. فما صدر عنه تعالى لا يمكن أن يصدر من إرادته لا من ذاته، أو من ذاته دونها فإنّها عين ذاته، فإذن صدور المتغيّر والمتصرّم منه تعالى مستلزمٌ لحدوث القديم، أو قدم الحادث بالذات وثبات المتغيّر بالذات.
- ومنها: أنّ صدور الكثير بلا وسطٍ من الواحد البسيط من جميع الجهات مستلزمٌ للتركيب والتكثير فيه وهو خلف. وما قيل أنّ ذلك مستحيلٌ في غير الفاعل المختار وأمّا هو فله أن يفعل باختياره كلّ ما أراد فليس بشيءٍ؛ فإنّ الاختيار والإرادة عين الذات البسيطة، وما صدر عنهما صدر عنها؛ وتحقق الكثرة والتجدّد في الإرادة عين تحقّقهما في الذات. وقياس إرادته تعالى وفعله الإراديّ، وكذا صدور الفعل عنه تعالى على الإنسان مع الفارق؛ وغالب الاشتباهات منشأه هذا القياس الباطل، فأين الإنسان الناقص الكثير المتكثّر المتغيّر المتصرّم ذاتاً وصفاتاً وربّ الأرباب البسيط الذات والصفات.
وما قد يتوهّم أنه يلزم من ذلك القصور في قدرته تعالى ومغلوليّة يد الله، فاسدٌ سيأتي ما يدفعه.
- ومنها: أنّ حقيقة الوجود ذاتها عين منشأيّة الآثار، ولا يمكن سلب الآثار مطلقاً عن ذاته لمساوقته لسلب ذاته؛ فلا يمكن أن يكون موجودٌ مسلوباً عنه الآثار، بل سلب الأثر عن وجود مستلزم لسلبه عن كافّة الوجودات حتّى وجود الواجب لبساطة حقيقة الوجود واشتراكه المعنويّ. فتدبّر جيداً.
من الإشكالات في المقام: أنّه من المقرر في الفلسفة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد. ووجوب الشيء: ضرورة تحقّقه وامتناع لا تحقّقه. فحينئذٍ يكون صدور الفعل عن الفاعل واجب التحقّق، وما كان كذلك يكون الفاعل مضطرّاً في إيجاده ملجئاً في فعله.
وقد فصّل جمع من المتكلّمين بين ما يصدر عن الفاعل المختار، فمنعوا القاعدة لئلّا ينسدّ باب إثبات الاختيار للواجب، وبين غيره لئلّا ينسدّ إثبات الصانع تعالى. فكأنّهم بنوا جريان القاعدة العقليّة على أهوائهم لا على ما ساق إليه البرهان. فكأنّ النتائج دعتهم إلى قبول البراهين، لا هي هدتهم إلى النتائج.
ونقول في مقام الجواب أمّا عدم منافاتها لمختاريّة الفاعل المختار، فهو أيضاً بمكان من الوضوح بعد فهم مفادها، فإنّ مقتضى القاعدة: أنّ الممكن ما لم يصر واجباً لم يصر موجوداً؛ والعلّة التامّة باقتضائها أوجب المعلول فأوجده؛ فأيّة منافاة بين هذا وبين كون الفاعل مختاراً، لأنّ الفاعل المختار بإرادته واختياريّته وفعّاليّته أوجب الفعل فأوجده؛ وهذا يؤكّد اختياريّة الفاعل وبعبارة أخرى: إنّ العلّة موجبة بالكسر، فإذا كان الموجد مختاراً يكون موجباً بالكسر باختياره. والمتكلّم لعدم استشعاره بموضوع القاعدة وبرهانها ومفادها زعم أنّ الإيجاب والوجوب ينافيان الاختيار، مع أن الإيجاب بالاختيار لا يعقل أن يصير علّة ومنشأ للاضطرار، والوجوب الجائي من قبل العلّة يستحيل أن يؤثّر فيها.
نعم، هنا نكتة أخرى قد نبّهنا عليها وينبغي تذكارها: وهو أنّ العلّة المستقلّة التامّة ما تسدّ بذاتها جميع الأعدام الممكنة على المعلول. وبهذا المعنى لم يكن ولا يكون في نظام الوجود ما يستقلّ بالعليّة والتأثير إلا ذات واجب الوجود، علّت قدرته، وغيره تعالى من سكّان بقعة الإمكان ليس له هذا الشأن لكونهم فقراء إلى الله ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
ولعلّ في توصيف الغنيّ بالحميد في المقام في القرآن الكريم إشارة لطيفةٌ إلى ما أشرنا إليه سابقاً: من أنّ المحامد كلّها من مختصّات ذات الواجب الغنيّ الذي بغنائه الذاتي أعطى كمال كلّ ذي كمالٍ وجمال، فمبادئ المحامد والمدائح منه وإليه. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [حديد: 3].

ومن الإشكالات: إنّ نظام الكيان بقضّه وقضيضه تابع إرادة الله تعالى وقضائه، وتنتهي سلسلة الوجود في الغيب والشهود إلى إرادة أزلية واجبةٍ بالذات لا يمكن تخلّف المراد عنها؛ فيجب صدور ما صدر من العبد بالقضاء السابق الإلهي والإرادة الأزليّة، فيكون مضطراً في أفعاله في صورة المختار.
وبه يرجع مغزى قول من يقول: إنّ علمه تعالى بالنظام الأتمّ مبدأ له، فإنّه تعالى فاعلٌ بالعناية والتجليّ. فنفس تعلّق علمه مبدأ لمعلوماته وهي تابعةٌ لعلمه لا العكس، كما في العلوم الانفعاليّة، بل العلم والإرادة والقدرة فيه، تعالى شأنه، متحقّقات بحقيقةٍ واحدة بسيطة. والوجود الصرف صرف كلّ كمال. وليست القدرة فيه تعالى كقدرة الإنسان تستوي نسبتها إلى الفعل والترك، لأنّ واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات. واستواء النسبة جهة إمكانية تستحيل تحقّقها في ذاته البسيطة الواجبة، بل قدرتها أحديّة التعلّق كإرادته، وهما عين علمه بالنظام الأتمّ؛ فالنظام الكياني تابعٌ لعلمه العنايي.
وبما قرّرنا يدفع ما قد يقال: أنّ العلم تابع للمعلوم ولا يمكن أن يكون علّةٌ له، فإنّ ذلك شأن العلوم الانفعاليّة لا مثل علمه تعالى الذي هو فعليّ وفعلٌ محض.
والتحقيق في الجواب عن الشبهة ما أسلفنا في تحقيق الأمر بين الأمرين ونزيدك بياناً:
إنّ علمه وإرادته تعلّقاً بالنظام الكوني على الترتيب العلّي والمعلولي، ولم يتعلّقا بالعلّة في عرض معلوله وبالمعلول بلا وسطٍ حتّى يقال: إنّ الفاعل مضطرّ في فعله. فأوّل ما خلق الله تعالى هو حقيقة بسيطة روحانية، بوحدتها كلّ كمالٍ وجمالٍ، وجفّ القلم بما هو كائن، وتمّ القضاء الإلهي بوجوده. ومع ذلك لمّا كان نظام الوجود فانياً في ذاته ذاتاً وصفةً وفعلاً يكون كلّ يوم هو في شأن.
فحقيقة العقل المجرّد والروحانية البسيطة المعبّر عنها بنور نبيّنا (ص) والملك الروحاني صادر منه تعالى بلا وسطٍ. وهي بما أنها صرف التعلّق والربط ببارئه تعالى شأنه تعلّقاً لا يشبه التعلّقات المتصوّرة وربطاً لا يماثل الروابط المعقولة، يكون ما صدر منها صدر منه تعالى بنسبةٍ واحدة، لعدم البينونة العزلة بينه تعالى وبين شيء، لكونه تعالى صرف الوجود من غير ماهية وهي مناط البينونة العزلة؛ وسائر الموجودات والعلل المعانقة لها لم تكن مع معاليلها بهذه المثابة. فالحقيقة العقليّة ظهور مشيئته وإرادته كما أن الطبيعة يد الله المبسوطة «خمّرت طينة آدم بيديّ أربعين صباحاً».
فمن عرف كيفيّة ربط الموجودات على ترتيب سببيّ ومسبّبيّ إليه تعالى، يعرف أنّها مع كونه ظهوره تعالى تكون ذات آثار خاصّة. فيكون الإنسان مع كونه فاعلاً مختاراً ظلّ الفاعل المختار، وفاعليّة ظلّ فاعليّته تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30].
فتحصّل من جميع ما ذكرنا: إنّ تعلّق إرادته تعالى بالنظام الأتمّ لا ينافي كون الإنسان فاعلاً مختاراً.
إنّ من جملة الإشكالات الواردة في باب الإرادة الحادثة: أنّ الإرادة الإنسانيّة إذا كانت واردة عليه من خارج بأسباب وعلل منتهية إلى الإرادة القديمة، فكانت واجبة التحقّق سواء أرادها العبد أم لم يردها. فكان العبد مُلجأً مضطرّاً في إرادته، ألجأته إليها المشيئة الواجبة الإلهيّة ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ فالإنسان كيف يكون فعله بإرادته حيث لا تكون إرادته بإرادته؟ وإلا لترتّبت الإرادات متسلسلة إلى غير نهاية.


الجواب عن أصل الإشكال:
والحق في الجواب عن أصل الإشكال ما أفاد بعض أعاظم الفلاسفة: من أن المختار ما يكون فعله بإرادته، لا ما يكون إرادته بإرادته وإلا لزم أن لا تكون إرادته – تعالى – عين ذاته، والقادر ما يكون بحيث إن أراد الفعل صدر عنه الفعل وإلا فلا، لا ما يكون إن أراد الإرادة للفعل فعل وإلا لم يفعل. انتهى.
أقول: إنّ من الواضح الضروري عند جميع [أفراد النوع] الإنسانيّ أنّ الفعل الصادر عن اختيار وعلم وإرادة موضوع لحسن العقوبة إذا كان على خلاف المقرّرات الدينيّة أو السياسيّة المدنيّة عند الموالي العرفيّة، والعقلاء كافّة يحكمون باستحقاق عبيدهم [العقوبة] بمجرّد فعل مخالف للمولى اختياراً منهم، وهذا حكم ضروريّ عندهم في جميع أمورهم، وليس هذا إلا لأجل أنّ الفعل الذي [هو] موضوع حسن العقوبة عندهم هو الفعل الصادر عن علم وإرادة واختيار، وإن لم تكن تلك المبادئ بالاختيار، والعقلاء لا ينظرون ولا يلتفتون إلى اختياريّة المبادئ وإراديّتها وكيفيّة وجودها، بل الملتفت إليه هو الفعل الصادر، فإن كان صادراً عن اختيار يحكمون على فاعله باستحقاق المثوبة أو العقوبة؛ بحيث تكون تلك الشبهات في نظرتهم شبهات سوفسطائيّة في مقابل البديهة.

فلو قيل: إنّ الفعل الاختياريّ ما يكون مبادئه اختياريّة، فلا وجه لاختصاص الاختياريّة بالإرادة، بل لا بدّ من الإسراء بها إلى كلّ ما هو دخيل في وجود الفعل من وجود الفاعل وعلمه وشوقه وإرادته، فيلزم أن لا يكون فعل من الأفعال اختياريّاً حتّى فعل الواجب – تعالى شأنه – فلا بدّ من محو كلمة الاختيار من قاموس الوجود، هو ضروريّ البطلان.
ولو سُلم فلنا أن نقول: إنّه لا يعتبر في صحّة العقوبة عند كافّة العقلاء الاختياريّة بالمعنى المدّعي من كون الفعل اختياريّاً بجميع مبادئه، فإنّ صحّة العقوبة من الأحكام العقلائيّة والمستصحّات العقليّة، وهذا حكم جارٍ رائج بين جميع العقلاء في الأعصار والأدوار لا يشكّون فيه، و[قد] يشكون في الشمس في رابعة النهار، مع أنّ الإرادة ليست بالإرادة، والاختيار ليس بالاختيار.
وليعلم: أنّ مجرّد صدور الفعل عن علم وإرادة ليس موضوع حكم العقل لصحّة العقوبة واستحقاق العقاب؛ ضرورة أنّ الحيوانات – أيضاً – إنّما [تفعل ما تفعل] بعلم وإرادة، ولو كانت إراديّة الفعل موضوعاً للاستحقاق للزم الحكم باستحقاق الحيوانات، فما هو الموضوع هو صدور الفعل عن الاختيار الناشئ عن تميّز الحسن من القبيح.
والاختيار: عبارة عن ترجيح أحد جانبي الفعل والترك بعد تميّز المصالح والمفاسد الدنيويّة والأخرويّة، فإنّ الإنسان بعد اشتراكه مع الحيوان بأنّ أفعاله بإرادته وعلمه، يمتاز عنه قوّة التميّز وإدراك المصالح الدنيويّة والأُخرويّة، وقوّة الترجيح بينهما، وإدراك الحُسن والقبح بقوّته العقليّة المميّزة.
وهذه القوّة مناط التكليف واستحقاق الثواب والعقاب، لا مجرّد كون الفعل إراديّاً، كما ورد في الروايات: «أنّ الله لمّا خلق العقل استنطقه...» إلى أن قال: «بك أُثيب، وبك أُعاقب» فالثواب والعقاب بواسطة العقل وقوّة ترجيحه المصالح والمفاسد والحسن والقبح.
هذا، وأمّا مسألة إراديّة الفعل، فالحقّ في الجواب: أنّ الفعل الإراديّ ما صدر عن الإرادة، فوزان تعلّق الإرادة بالمراد وزان تعلّق العلم بالمعلوم من هذه الحيثيّة، فكما أنّ مناط المعلوميّة هو كون الشيء متعلّقاً للعلم، لا كون علمه متعلّقاً للعلم الآخر، كذلك مناط المراديّة هو كونه متعلّقاً للإرادة وصادراً عنها، لا كون إرادته متعلّقاً لإرادة أخرى، فيتدبّر.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد