علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
عن الكاتب :
أحد مراجع التقليد الشيعة في إيران

أصول المسائل الأخلاقية عند بعض الفلاسفة


الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ..

نلقي نظرة صغيرة على أصول المسائل الأخلاقيّة في المذاهب الأخرى: جَمعٌ من الفلاسفة القدماء، الذين يُعتبرون من المؤسّسين لعلم الأخلاق، جعلوا للأخلاق أربعة أسس، وبالأحرى لخّصوا الفضائل الأخلاقيّة في أربعة أصول، هي:
1- الحكمة.
2- العفّة.
3- الشجاعة.
4- العدالة.
وأحياناً يضمّون إليها العبوديّة لله تعالى، ويجعلونها خمسة أصول.


ويعتبر المؤسّس لهذا المذهب هو "سقراط"، فكان يعتقد أنّ: (الأخلاق تعتمد على معرفة الحسن والقبيح من الأفعال، والفضيلة بصورة مطلقة ليست هي إلاّ العلم والحكمة; أمّا العلم في مورد الخوف والإقدام، يعني العلم والاطّلاع على الشّيء الذي يتوجب على الإنسان الخوف منه، وعدم الخوف من شيء ما يعتبر من "الشّجاعة"، وإذا كان في صدد المُنى النفسية، فيدّعي بـ: "العفّة"، وإذا كان العلم بالقواعد الحاكمة على ملاقاة الناس وروابطهم مع بعضهم البعض، فالمقصود منه هو "العدالة"، وإذا كان العلم في دائرة وظائف الإنسان مع خالقه هو "التدين والعبودية"، فهذه الفضائل الخمسة، يعني: الحكمة، والشجاعة، والعفّة، والعدالة، والعبودية، هي الأصول الأولى للأخلاق السُّقراطيّة)1.
وكثير من علماء الإسلام الذين كتبوا وبحثوا في علم الأخلاق، قبلوا هذه الأصول الأربعة والخمسة، ودقّقوا فيها أكثر، وبنوا لها أصولاً أقوى وأفضل من سابقتها، وجعلوها أساساً لرؤاهم الأخلاقيّة في كلّ المجالات.


يقولون في نظرتهم الجديدة لهذه الأصول:
إنّ نفس وروح الإنسان فيها ثلاثة قوى هي:
1- قوّة "الإدراك" وتشخيص الحقائق.
2- قوّة جلب المنفعة وبتعبير آخر "الشّهوة"، (بمعناها الوسيع، لا الجنسيّة فقط وتشمل كلّ طلب وإرادة).
3- القوّة الدّافعة وبتعبير آخر "الغضب".


وبعدها اعتبروا الاعتدال في كلّ قوّة، هو إحدى الفضائل الأخلاقيّة، وأطلقوا على الفضائل المنبعثة من هذه القوى بـ: "الحكمة" و"العفّة" و"الشّجاعة"، بالترتيب.
وأضافوا أيضاً: كلّما أصبحت قوّة الشّهوة والغضب خاضعة لسلطة القوّة المدركة، وتمييز الحقّ من الباطل، فسوف ينتج عندنا الأصل الرّابع وهو "العدالة".
وبعبارة أخرى: إنّ تحقيق الاعتدال في كلّ من القوى الثّلاثة، يعتبر فضيلةً، وهذا الاعتدال يسمّى بـ: "الحكمة" و"العفّة" و"الشّجاعة"، وتركيبها مع بعضها البعض، يعني تبعيّة الشّهوة والغضب للقوّة المدركة، يعتبر فضيلةً أخرى تسمّى "العدالة"، وكثيراً  ما نرى أنّ الإنسان لديه الشّجاعة وفي حدّ اعتدال قوّة الغضب، لكنّه لا يوجّهها التّوجيه الصّحيح، ولا يستعملها الاستعمال الصحيح، "كما لو استعملها في الحروب غير الهادفة"، فهنا قد تكون لديه شجاعة ولكنّها لا تعني العدالة، أمّا لو استعمل صفة (الشّجاعة) في نطاق الأهداف السّامية العقلائيّة، أي مزجها مع الحكمة، فسيحقّق عندها حالة "العدالة".
وعليه، فإنّ هذه الفئة من علماء الإسلام، جعلوا كلّ الفضائل والصّفات الإنسانيّة البارزة، تحت أحد هذه الأصول، وباعتقادهم أنّه لا توجد فضيلة، إلاّ وتندرج تحت أحد هذه العناوين الأربعة، وبالعكس فإنّ الرذائل دائماً، تأخذ طريق الإفراط والتّفريط لهذه الفضائل الأربعة.
ومن أراد التّفصيل والاطّلاع على هذا المذهب الأخلاقي; فليراجع كتاب: "إحياء العلوم" وكتاب "المحجّة البيضاء"2.


نقد وتحليل
إنّ التّقسيم الرّباعي المذكور، ليس وكما يبد وأنّه شيء مُبتكر من قبل حكماء الإسلام، بل هو نتيجة تحليلات علماء الإسلام لكلمات حكماء اليونان، واسترفادهم من نظرياتهم وآرائهم بعد تنقيحها، رغم وجود إشارات لها في مصادرنا الروائيّة، كما جاء في الرواية المرسلة المنسوبة للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث قال: "الفَضائِلُ أربعة أَجناس: أحَدُهُما: الحِكْمَةُ وَقِوامُها فِي الفِكرَةِ، والثَّانِي:العِفَّةُ وَقِوامُها في الشَّهوَةِ، وَالثَّالِثُ: القُوَّةُ وَقِوامُها فِي الغَضَبِ، وَالرّابِعُ: العَدلُ وَقِوامُهُ في إاعتِدالِ قُوى النَّفسِ"3.
فكما ترون، أنّ هذا الحديث لا يوافق بصورة كاملة، تلك التّقسيمات الأربعة التي ذكرها علماء الأخلاق، بل هو قريبٌ منها، وكما أشرنا سابقاً أنّ الحديث مُرسلٌ وسندُه لا يخلو من إشكال.
وعلى كلّ حال فإنّ هذه الأطروحة، الّتي ذكرها علماء الأخلاق، وحُكماء الإغريق واليونان، ترد عليها هذه المآخذ:


1- بعض الملكات الأخلاقية، "والّتي هي جزءٌ من الفضائل الأخلاقيّة قطعاً"، نلاقي صُعوبةً في إدخالها تحت أحد هذه الاُصول الأربعة، فمثلاً (حُسن الظّن)، يُعتبر من الفضائل، ويقابله (سُوء الظن)، فإذا أردنا إدخاله تحت أحد هذه الأصول، فيجب أن ينضوي في دائرة الحكمة، والحال أنّنا لا يمكننا أن نجعله من فروع الحكمة، لأنّ حُسن الظّن شيءٌ آخر غير التّشخيص الصّحيح للواقعيات، ورُبّما ينفصل عنه بوضوح، بمعنى أنّ القرائن الظنيّة تشير إلى صدور الذّنب والخطأ من شخص ما، لكن وبحسن الظنّ يتجاوز عنها.

وكذلك الصّبر على النوائب، والشكر على النّعمة، فهو بلا شك يعتبر من الفضائل، لكنّنا لا نستطيع أن نجعله في دائرة قوّة التّشخيص والإدراك، ولا في مسألة جلب المنافع ولا دفع المضار، خُصوصاً إذا كان الشّخص الصّابر والشّاكر، لا يرتجي منها نفعاً مستقبلياً، وتمسّكه بها إنّما كان لقيمتها الذاتيّة، (أي: الصّبر والشّكر).
وقد يوجد غير قليل من أمثال هذه الفضائل، التي لا يمكن أن نجعلها وندرجها تحت أحد هذه العناويين.


2- "الحكمة" تعتبر من أصول الفضائل الأخلاقيّة، والإفراط والتّفريط فيها تُعتبر من الرّذائل الأخلاقيّة، والحال أنّ الحكمة ترجع إلى تشخيص الحقائق والوقائع، وتعود الأخلاق للعواطف والغرائز والملكات النفسيّة، ولا تعود لإدراكات العقل، وعليه لا يُقال إنّ المتفتح الذّهن هو حسن الأخلاق، فالأخلاق يمكن أن تكون وسيلةً وأداةً للعقل، ولا تُعتبر قوّة العقل والإدراك من الأخلاق، وبعبارة أخرى: إنّ العقل وقوّة الإدراك هي الموجّهة لعواطف وغرائز الإنسان، في حركة الحياة والسّلوك، وتعطيها شكلها الأَوفق، والأخلاق هي كيفيّةٌ تعرض على الغرائز والميول الإنسانيّة.


3- الإصرارُ على أنّ الفضائل الأخلاقيّة دائماً، هو الحدّ الأوسط بين الإفراط والتّفريط: لا يبدو سليماً، وإن كان في الأغلب هو كذلك، لأنّنا نجد موارد لا يتحقّق فيها الإفراط، فمثلاً القُوّة العقليّة، كلّما كانت أقوى كانت أفضل، ولا يُتصوّر فيها إفراط، فليس من الصحيح جعل "الدّهاء والمكر"، هو الإفراط في القوّة العقلية، لأنّ "الدّهاء والمكر" لا ينشأ من الذّكاء والفهم، بل هو نوعٌ من الانحراف والاشتباه في المسائل، للعجلة في الحكم على الأمور وما يُشابهها.


فالرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وصل إلى درجة في العقل والفكر، بحيث أطلق عليه العَقلُ الكلّ، فهل هذا مخالفٌ للفضيلة؟!
وصحيحٌ أنّ العقل والذّكاء المُفرط، يسبّب آلاماً ومصاعب لا يلاقيها الغافلون، غير المطّلعين، ولكنّه مع ذلك يعتبر من الفضائل والكمالات.
وكذلك "العدالة"، حسبوها من الفضائل الأخلاقيّة، والإفراط والتّفريط فيها هو "الظّلم" و"الإنظِلام"، أي (قبول الظّلم)، والحال أنّ قبول الظّلم والانصياع له لا يمكن أن يُعتبر من التّفريط في العدالة أبداً، بل هو مقولةٌ أخرى.
وبناء على ذلك، فمسألة الاعتدال في صِفات الفضيلة، في مقابل الإفراط والتّفريط للصّفات الرّذيلة، يمكن أن يكون مقبولاً في أغلب الموارد، ولكن لا يمكن أن يُعتبر حُكماً عامّاً، وأصلاً أساسياً في البحوث الأخلاقيّة.
النتيجة: أنّ الأصول الأربعة التي أعدّها القدماء للأخلاق، هي في الواقع إكمالٌ لما جاء به فلاسفةُ اليونان القُدماء، لكنّها لا يمكن أن تكون نموذجاً ومقسماً جامعاً للصّفات الأخلاقيّة، وإن كانت تصدق على كثير من المسائل الأخلاقيّة.


*الأخلاق في القرآن، آية الله مكارم الشيرازي، مدرسة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام-قم،ط2،ج1،ص83-87 1- سير حكمت در اروپا، ج1، ص 18، مع شيء من التلخيص.


2- المحجّة البيضاء، ج5، ص96 و97.
3- بحار الأنوار، ج75، ص81، ح86.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد