علمٌ وفكر

في مباحث الخير والشر (2)


صدر الدين الشيرازي ..
وأما الوجودات فهي كلها خيرات إما مطلقاً _أي بالذات وبالقياس جميعاً _ أو بالذات، ولكن قد يعرضها بالقياس إلى بعض الأشياء أن يؤدي إلى عدمه أو عدم حال من أحواله، ويقال لها الشر بالعرض وهو المعدم المزيل، أو الحابس المانع للخير عن مستحقه أو المضاد المنافي لكمال يقابله وخير يضاده.
ومن هذا القسم الأخلاق المذمومة المانعة للنفوس عن الوصول إلى كمالاتها العقلية كالبخل والجبن والإسراف والكبر والعجب وكذا الأفعال الذميمة كالظلم والقتل عدواناً، وكالزنا والسرقة والغيبة والنميمة والفحش وما أشبهها، فإن كل واحد من هذه الأشياء في ذاته ليس بشر، وإنما هي من الخيرات الوجودية وهي كمالات لأشياء طبيعية بل لِقوى حيوانية أو طبيعية موجودة في الإنسان، وإنما شريتها بالقياس إلى قوة شريفة عالية، شأنها في الكمال أن تكون قاهرة على ما تحتها من القوى غير خاضعة ولا مذعنة إيّاها.
فالحر والبرد المؤلمان للحيوان المفسدان للثمار ولأغذية الإنسان وسائر الأنعام كيفيتان من الكيفيات الفعلية، وهما من كمالات الأجسام الطبيعية العنصرية، وإنما الشرّ في فقد الصحة والسلامة وزوال الاعتدال من أمزجة النبات والحيوان، وكذلك الأخلاق الذميمة كلها كمالات للنفوس السبعية والبهيمية وليس بشرور للقوى الغضبية والشهوية، وإنما شرّية هذه الأخلاق الرذيلة بالقياس إلى النفوس الضعيفة العاجزة عن ضبط قواها عن الإفراط والتفريط وعن سوقها إلى مسلك الطاعة للتدبير الأتم الذي ينوط به السعادة الباقية، وكذا شرّية هذه الأفعال الذميمة (كالزنا والظلم) بالنسبة إلى السياسة البدنية أو المدنية والظلم إنما هو شرّ بالنسبة إلى المظلوم على الوجه الذي عرفته، وأما بالنسبة إلى الظالم من حيث هو ظالم فليس بشرّ ألا بكونه ذا قوة نطقية فيتضرر به أزيد مما يتضرر به المظلوم في أكثر الأمر، وكذلك الآلام والأوجاع والغموم والهموم وغيرها فهي _من حيث كونها إدراكات لأمور ومن حيث وجودها أو صدورها من العلل الفاعلة، لها خيرات كمالية وإنما هي شرور بالقياس إلى متعلقاتها من الإعدام والفقدانات أو المفسدات والمؤلمات.
فإذا تصفحت عن جميع الأشياء الموجودة في هذا العالم المسماة عند الجمهور شروراً، لم تجدها في أنفسها شروراً بل هي شرور بالعرض، خيرات بالذات كما مر بيانه بالوجه القياسي.


شك وتحقيق
اعلم أن ههنا إشكالاً معضلاً لم تنحل عقدته إلى هذا الوقت وهي منحلة بعون الله العزيز.
تقريره أن الألم هو نوع من الإدراك، فيكون وجودياً معدوداً من الخيرات بالذات وإن كان متعلقه عدمياً، فيكون شرّاً بالعرض كما ذكروا، فيكون هناك شرٌّ واحد بالحقيقة هو عدم كمال ما، لكنا نجد بالوجدان أنه يحصل هناك شرّان أحدهما ذلك الأمر العدمي كقطع العضو مثلاً وزوال الصحة، والآخر الأمر الوجودي الذي هو نفس الألم وذلك الأمر الوجودي المخصوص شرُّ لذاته وإن كان متعلقه أيضاً شراً آخر، فإنه لا شك أن تفرّق الاتصال شرٌّ سواء أدرك أو لم يدرك، ثم الألم المترتب عليه شرٌّ آخر بين الحصول لا ينكره عاقل حتى لو كان التفرّق حاصلاً بدون الألم لم يتحقق هذا الشرّ الآخر، ولو فرض تحقق هذا الألم من غير حصول التفرق لكان الشرّ بحاله.
فثبت أن نحواً من الوجود شر بالذات فبطلت هذه القاعدة الكلية: "أن كلما هو شرٌّ بالذات فهو أمر عدمي، فهذا ما ذكره "العلامة الدواني" في "حاشية التجريد" ولم يتيسر له دفعه ولذا قال "والتحقيق أنهم إن ارادوا أنّ منشأ الشرّية هو العدم فلا يردُ هذا النقض عليهم، وإن أرادوا أن الشرّ بالذات هو العدم وما عداه إنما يوصف به بالعرض حتى لا يكون بالحقيقة الأشرّية واحدة هي صفة العدم بالذات وينسب إلى غيره بالتوسط كما هو شأن الاتصاف بالعرض فهو وارد فافهم (انتهى كلامه).
وأقول في دفعهِ إن مقصودهم هو الثاني، والإيراد مدفوع عنهم بأن الألم إدراك للمنافي العدمي كتفرق الاتصال ونحوه بالعلم الحضوري وهو الذي يكون العلم فيه هو المعلوم بعينه لا صورة أخرى حاصلة منه، فليس في الألم أمران أحدهما مثل التفرق والقطع وفساد المزاج والثاني صورة حاصلة منه عند المتألم يتألم لأجلها بل حضور ذلك المنافي العدمي هو الألم بعينه فهو _وإن كان نوعاً من الإدراك لكنه من أفراد العدم فيكون شراً بالذات وهو _ وإن كان نحوا من العدم _ لكن له ثبوت على نحو ثبوت إعدام الملكات كالعمى والسكون والفقر والنقص والإمكان والقوة ونظائرها.
وقد علمت أن وجود كل شيء عين ماهيته، فوجود العدم عين ذلك العدم كما أنّ وجود الإنسان عين الإنسان ووجود الفلك عين الفلك وعلمت أيضاً أنّ العلم بكل شيء عين المعلوم منه بالذات فهيهنا الوجود عين التفرق أو الانقطاع أو الفساد الذي هو عدمي، والإدراك المتعلق به عين ذلك الوجود الذي هو نفس الأمر العدمي.
فقد ثبت أن الألم الذي هو الشرّ بالذات من أفراد العدم، ولا شك أن العدم الذي يقال أنّه شرّ هو العدم الحاصل لشيء لا العدم مطلقا ًكما أشير إليه سابقاً، فإذن لا يرد نقض على قاعدة الحكماء: "إن كلما هو شر بالذات فهو من أفراد العدم البتة".
والذي يزيدك إيضاحاً لهذا المقام من أنّ الآلام والأوجاع من جملة الاعدام: أن قوى النفس سارية في البدن وأنّها هي التي تشعر وتحس بأنواع المحسوسات، فهي بعينها الجوهر اللامس الذائق الشام، وهي عين الصورة الطبيعية الاتصالية المزاجية، وكل ما يرد على البدن من الأحوال _وجودياً كان أو عدميّاً _ فالنفس تنفعل منه وتناله بالحقيقة وتتأثر منه لأجل قواها السارية في البدن فتفرق الاتصال الوارد على الجسم لا شك أنّه شر للجسم لأنه زوال اتصاله وعدم كماله، فلو كان الجسم موجوداً حيّاً عند انفصاله شاعراً يتفرق اتصاله كان له غاية الشرّية التي لا تتصور فوقها شرّية الشيء، لأنه يثبت عدمه له عند وجوده فإذا كان كذلك _والنفس كما علمت لها ضرب من الاتحاد بالبدن فكلما يرد على البدن عند تعلق النفس به فكأنما ورد على ذات النفس، ولهذا تتأذى وتتألم بالجراحات والأمراض وسوء المزاج البدني بقدر تعلقها به واتحادها، لكن النفس لما كانت لها مقامات أخرى ونشآت غير هذه النشأة التي وقع لها الأذى بسببها لم يكن أذاها من جراحة عظيمة أو سوء مزاج شديد أو فساداً أو موت مثل أذى الحي الذي حياته بعينها حياة البدن.
فتأمل يا حبيبي لتدرك أنّ الشر غير لاحق إلاّ لما في طباعه ما بالقوة، وذلك لأجل المادة الجسمية بسبب أن وجودها وجود ناقص متهيىء لقبول الفساد والانقسام والتكثر وحصول الأضداد والاستحالة والتجدد في الأحوال والانقلاب في الصور، فكلما هو أكثر براءة من المادة فهو أقل شرّا ووبالاً.
واعلم أن الشرور تلحق المواد على وجهين لأنها إما أن تلحقها لأول أمرٍ يعرضها في أول الكون، وإمّا الأمر يطرأ عليها بعد التكون، فالقسم الأول كما تتمكن في أول وجودها هيئة من الهيئات تمنعها تلك الهيئة استعدادها الخاص للكمال الذي منيت المادة بشرّ يقابله ويوازيه كالمادة التي تتكون منها صورة إنسان أو فرس أو نبات إذا عرض لها من الهيئات ما جعلها أسوء مِزاجاً وأقل اعتدالاً وأعصى جوهراً من قبول تلك الصورة على الوجه الأكمل، فلم يقبل التقويم الأحسن والتشكيل الأتم والتخطيط الأليق، فتشوهت الخِلقة بسببها، ولم يوجد المحتاج إليه من كمال الاعتدال في المزاج وتمام الشكل في البينة، لا لأن الفاعل المعطي قد قصّر وما أجاد فيما أفاد، بل لأن المنفعل لم يقبل.


وأما القسم الآخر
فهو أحد أمرين: إما مانع وحاجب يحول بين الشيء ومكمله، وإما مضاد واصل مبطل للكمال ممحق. مثال الأول: وقوع سحب كثيرة متراكمة أو أظلال جبال شاهقة تمنع تأثير الشمس في الثمار لتبلغ إلى النضج وتنال الكمال ومثال الثاني: حصول البرد الشديد للنبات المصيب لكماله في وقته حتى يفسد استعداده الخاص وما يتبعه من الصورة الكمالية.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد