قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
السيد محمد حسين الطبطبائي
عن الكاتب :
مفسر للقرآن،علامة، فيلسوف عارف، مفكر عظيم

معنى الحمد


العلامة الطباطبائي ..
 الحمد على ما قيل: هو الثناء على الجميل الاختياري والمدح أعم منه.
 يقال: حمدت فلانا أو مدحته لكرمه.
 ويقال: مدحت اللؤلؤ على صفائه ولا يقال: حمدته على صفائه.
واللام فيه للجنس أو الاستغراق والمآل ههنا واحد.
وذلك أن الله سبحانه يقول: (ذلكم الله ربكم خالق كل شئ) غافر - ٦٢.
 فأفاد أن كل ما هو شيء فهو مخلوق لله سبحانه.
 وقال: (الذي أحسن كل شيء خلقه) السجدة - ٧ .
فأثبت الحسن لكل شيء مخلوق من جهة أنه مخلوق له منسوب إليه، فالحسن يدور مدار الخلق وبالعكس، فلا خلق إلا وهو حسن جميل بإحسانه ولا حسن إلا وهو مخلوق له منسوب إليه.
 وقد قال تعالى: (هو الله الواحد القهار) الزمر - ٤.
 وقال: (وعنت الوجوه للحي القيوم) طه - ١١١.
 فأنباء أنه لم يخلق ما خلق بقهر قاهر، ولا يفعل ما فعل بإجبار من مجبر، بل خلقه عن علم واختيار فما من شيء إلا وهو فعل جميل اختياري له فهذا من جهة الفعل.
 وأما من جهة الاسم فقد قال تعالى: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) طه - ٨.
وقال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه) الأعراف - ١٨٠.
فهو تعالى جميل في أسمائه وجميل في أفعاله، وكل جميل منه.
فقد بان أنه تعالى محمود على جميل أسمائه ومحمود على جميل أفعاله، وأنه ما من حمد يحمده حامد لأمر محمود إلا كان لله سبحانه حقيقة، لأن الجميل الذي يتعلق به الحمد منه سبحانه، فلله سبحانه جنس الحمد وله سبحانه كل حمد.
ثم إن الظاهر من السياق وبقرينة الالتفات الذي في قوله: (إياك نعبد) أن السورة من كلام العبد، وأنه سبحانه في هذه السورة يلقن عبده حمد نفسه وما ينبغي أن يتأدب به العبد عند نصب نفسه في مقام العبودية، وهو الذي يؤيده قوله: (الحمد لله) وذلك أن الحمد توصيف، وقد نزه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده حيث قال: (سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين) الصافات - ١٦٠.
 والكلام مطلق غير مقيد ،ولم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن غيره إلا ما حكاه عن عدة من أنبيائه المخلصين.
 قال تعالى في خطابه لنوح عليه السلام :(فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين) المؤمنون - ٢٨.
وقال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) إبراهيم - ٣٩.
وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بضعة مواضع من كلامه: (وقل الحمد لله) النمل - ٩٣.
 وقال تعالى حكاية عن داود وسليمان عليهما السلام (وقالا الحمد لله) النمل - ١٥.
 وما حكاه عن أهل الجنة وهم المطهرون من غل الصدور ولغو القول والتأثيم كقوله: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) يونس - ١٠.
وأما غير هذه الموارد فهو تعالى وإن حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن جميعهم، كقوله تعالى: (والملائكة يسبحون بحمد ربهم) الشورى - ٥.
وقوله (ويسبح الرعد بحمده) الرعد - ١٣.
وقوله (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) الإسراء - ٤٤.
إلا أنه سبحانه شفع الحمد في جميعها بالتسبيح، بل جعل التسبيح هو الأصل في الحكاية وجعل الحمد معه، وذلك أن غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله وكمالها كما لا يحيطون بجمال صفاته وأسمائه التي منها جمال الأفعال، قال تعالى: (ولا يحيطون به علما) طه - ١١٠ .
فما وصفوه به فقد أحاطوا به وصار محدوداً بحدودهم مقدراً بقدر نيلهم منه، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء إلا من بعد أن ينزهوه ويسبحوه عن ما حدوه وقدروه بافهامهم.
 قال تعالى: (إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) النحل - ٧٤.
 وأما المخلصون من عباده تعالى فقد جعل حمدهم حمده، ووصفهم وصفه حيث جعلهم مخلصين له، فقد بان أن الذي يقتضيه أدب العبودية أن يحمد العبد ربه بما حمد به نفسه ولا يتعدى عنه، كما في الحديث الذي رواه الفريقان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك الحديث) .
فقوله في أول هذه السورة: الحمد لله، تأديب بأدب عبودي، ما كان للعبد أن يقوله لولا أن الله تعالى قاله نيابة وتعليما لما ينبغي الثناء به.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد