صور خبّأتها الكتب

الهفوف القديمة: شاهد على الحياة قبل التّحوّلات

للصّورة أبعاد كثيرة، يمكن للرّائي أن يتقصّى بسببها ما وراء الضّوء، لكتشف أمورًا تخبّؤها في التّفاصيل، وهذا هو حال الصّورة هذه، لأحد شوارع المدينة القديمة بالهفوف، لكونها توثّق جانبًا عمرانيًّا واجتماعيًّا في المدينة خلال أوائل القرن العشرين.

 

الصّورة للباحث Toby Matthiesen أوردها في كتابه The Other Saudis: Shiism, Dissent and Sectarianism (Cambridge: Cambridge University Press، 2015، ص 33)، تحت عنوان Picture 1.3. Street Scene in the Old City of Hufuf. وقد التقطتها المصوّرة Dorothy Miller، فيما يعود أصلها إلى Saudi Aramco World / SAWDIA.

 

تعكس الصّورة أحد مداخل المدينة القديمة في الهفوف في الأحساء، حيث تعبر مجموعة من الأهالي أمام بوّابة ضخمة تتوسّط مبنى تقليديًّا متعدّد الطّبقات، وتكشف عن رجال وسيّدات وأطفال يتحرّكون في فضائها العامّ، فيما تأخذ النّاظر إليها، في رحلة للتأمّل بما تُظهره من جدران طينيّة، وأقواس معماريّة، وشرفات خشبيّة، تنبي عن جمال العمارة التّقليديّة وملامحها التي شكّلت هويّة المدينة قبل التّحوّلات العمرانيّة الحديثة.

 

الصورة وردت ضمن فصل يناقش البنية الاجتماعيّة والإداريّة في الأحساء والقطيف خلال العهد العثمانيّ، وفيه يستعرض المؤلّف تكوين الطّبقة الوجيهة، وأنماط الزّواج بين العائلات البارزة، وقد جاءت لتمنح القارئ رؤية بصريّة للمدينة التي أصبحت المركز الإداري للأحساء في العهد العثمانيّ.

 

وفي حين ركّز النّصّ على انتقال الإدارة إلى الهفوف وتنظيم مؤسّساتها الرسميّة، قامت الصورة بعكس البيئة العمرانيّة التي احتضنت تلك التّحوّلات، رابطة التّنظيم الإداريّ بالمكان الّذي مارست فيه الدّولة سلطتها، ومحوّلة السّرد التّاريخي إلى مشهد متحرّك رغم الجماد، يمكن للقارئ أن يراه بعينيه.

 

هذه الصّورة وثيقة مهمّة حفظت ملامح المدينة قبل مشاريع الإزالة والتّطوير، ورسمت مشهدًا للوجوه وللبيئة العمرانيّة حينها، لتكون أداة لاستعادة بعض من الذّاكرة والذّكريات، لمدينة كانت حاضرة لسنوات طويلة القلب الإداريّ والسياسيّ للمنطقة.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد